وأحسن منه كرهم في المكارم
671
وهم يحسنون العفو عن كل مذنب
ويحتملون الغرم عن كل غارم
672
حييون إلا أنهم في نزالهم
أقل حياء من شفار الصوارم
673
ولولا احتقار الأسد شبهتها بهم
ولكنها معدودة في البهائم
674
سرى النوم عني في سراي إلى الذي
صنائعه تسري إلى كل نائم
675
إلى مطلق الأسرى ومخترم العدا
ومشكي ذوي الشكوى ورغم المراغم
676
كريم نفضت الناس لما بلغته
كأنهم ما جف من زاد قادم
677
وكاد سروري لا يفي بندامتي
على تركه في عمري المتقادم
678
وفارقت شر الأرض أهلا وتربة
بها علوي جده غير هاشم
679
بلى الله حساد الأمير بحلمه
وأجلسه منهم مكان العمائم
680
فإن لهم في سرعة الموت راحة
وإن لهم في العيش حز الغلاصم
681
كأنك ما جاودت من بان جوده
عليك ولا قاتلت من لم تقاوم
682
وأقسم عليه أبو محمد أن يشرب فأخذ الكأس، وقال ارتجالا:
حييت من قسم وأفدي المقسما
أمسى الأنام له مجلا معظما
683
وإذا طلبت رضا الأمير بشربها
وأخذتها فلقد تركت الأحرما
684
وحدث أبو محمد عن مسيرهم في الليل لكبس بادية وأن المطر أصابهم، فقال:
غير مستنكر لك الإقدام
فلمن ذا الحديث والإعلام؟!
قد علمنا من قبل أنك من لم
يمنع الليل همه والغمام
685
وقال، وقد كبست أنطاكية فقتل مهره الطخرور والحجر أمه:
إذا غامرت في شرف مروم
فلا تقنع بما دون النجوم
686
فطعم الموت في أمر صغير
كطعم الموت في أمر عظيم
687
ستبكي شجوها فرسي ومهري
صفائح دمعها ماء الجسوم
688
قربن النار ثم نشان فيها
كما نشأ العذارى في النعيم
689
وفارقن الصياقل مخلصات
وأيديها كثيرات الكلوم
690
يرى الجبناء أن العجز عقل
وتلك خديعة الطبع اللئيم
691
وكل شجاعة في المرء تغني
ولا مثل الشجاعة في الحكيم
692
وكم من عائب قولا صحيحا
وآفته من الفهم السقيم!
693
ولكن تاخذ الآذان منه
على قدر القرائح والعلوم
694
وسار أبو الطيب من الرملة يريد أنطاكية في سنة ست وثلاثين، فنزل بطرابلس وبها إسحاق بن إبراهيم الأعور بن كيغلغ. وكان جاهلا، وكان يجالسه ثلاثة نفر من بني حيدرة، وكان بينه وبين أبي الطيب عداوة قديمة، فقالوا له: أتحب أن يتجاوزك ولا يمدحك؟! وجعلوا يغرونه، فراسله أن يمدحه، فاحتج عليه بيمين لحقته لا يمدح أحدا إلى مدة، فعاقه عن طريقه ينتظر المدة، وأخذ عليه الطريق وضبطها. ومات النفر الثلاثة الذين كانوا يغرونه في مدة أربعين يوما، فهجاه أبو الطيب، وأملاها على من يثق به. فلما ذاب الثلج خرج كأنه يسير فرسه وسار إلى دمشق، فأتبعه ابن كيغلغ خيلا ورجلا، فأعجزهم وظهرت القصيدة، وهي:
لهوى النفوس سريرة لا تعلم
عرضا نظرت وخلت أني أسلم
695
يا أخت معتنق الفوارس في الوغى
لأخوك ثم أرق منك وأرحم
يرنو إليك مع العفاف وعنده
أن المجوس تصيب فيما تحكم
696
راعتك رائعة البياض بعارضي
ولو انها الأولى لراع الأسحم
697
لو كان يمكنني سفرت عن الصبا
فالشيب من قبل الأوان تلثم
698
ولقد رأيت الحادثات فلا أرى
يققا يميت ولا سوادا يعصم
699
والهم يخترم الجسيم نحافة
ويشيب ناصية الصبي ويهرم
700
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
701
والناس قد نبذوا الحفاظ فمطلق
ينسى الذي يولى وعاف يندم
702
لا يخدعنك من عدو دمعه
وارحم شبابك من عدو ترحم
703
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حتى يراق على جوانبه الدم
704
يؤذي القليل من اللئام بطبعه
من لا يقل كما يقل ويلؤم
705
الظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفة فلعلة لا يظلم
706
يحمي ابن كيغلغ الطريق وعرسه
ما بين رجليها الطريق الأعظم
707
أقم المسالح فوق شقر سكينة
إن المني بحلقتيها خضرم
708
وارفق بنفسك إن خلقك ناقص
واستر أباك فإن أصلك مظلم
709
وغناك مسألة وطيشك نفخة
ورضاك فيشلة وربك درهم
710
واحذر مناواة الرجال فإنما
تقوى على كمر العبيد وتقدم
711
ومن البلية عذل من لا يرعوي
عن غيه وخطاب من لا يفهم
712
يمشي بأربعة على أعقابه