289
وما سمعت، ولا غيري بمقتدر
أذب منك لزور القول عن رجل
290
لأن حلمك حلم لا تكلفه
ليس التكحل في العينين كالكحل
291
وما ثناك كلام الناس عن كرم
ومن يسد طريق العارض الهطل؟!
292
أنت الجواد بلا من ولا كدر
ولا مطال ولا وعد ولا مذل
293
أنت الشجاع إذا ما لم يطأ فرس
غير السنور والأشلاء والقلل
294
ورد بعض القنا بعضا مقارعة
كأنه من نفوس القوم في جدل
295
لا زلت تضرب من عاداك عن عرض
بعاجل النصر في مستأخر الأجل
296
ولما أنشد أقل أنل رآهم يعدون ألفاظه، فقال وزاد فيه:
أقل أنل أن صن احمل عل سل أعد
زد هش بش هب اغفر أدن سر صل
297
فرآهم يستكثرون الحروف، فقال:
عش ابق اسم سد قد جد مر انه ر ف اسر نل
غظ ارم صب احم اغز اسب رع زع دل اثن نل
298
وهذا دعاء لو سكت كفيته
لأني سألت الله فيك وقد فعل
299
وقال وقد حضر مجلس سيف الدولة وبين يديه أترج وطلع وهو يمتحن الفرسان، فقال ابن حبيش شيخ المصيصة: لا تتوهم هذا للشرب، فقال أبو الطيب:
شديد البعد من شرب الشمول
ترنج الهند أو طلع النخيل
300
ولكن كل شيء فيه طيب
لديك من الدقيق إلى الجليل
301
وميدان الفصاحة والقوافي
وممتحن الفوارس والخيول
302
وأنكر عليه بعض الحاضرين قوله: شديد ... إلخ، فقال:
أتيت بمنطق العرب الأصيل
وكان بقدر ما عاينت قيلي
303
فعارضه كلام كان منه
بمنزلة النساء من البعول
304
وهذا الدر مأمون التشظي
وأنت السيف مأمون الفلول
305
وليس يصح في الأفهام شيء
إذا احتاج النهار إلى دليل
306
ودخل عليه في ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وعنده رسول ملك الروم وقد جاء يلتمس الفداء، وركب الغلمان بالتجافيف وأحضروا لبؤة مقتولة ومعها ثلاثة أشبال بالحياة وألقوها بين يديه. فقال أبو الطيب مرتجلا:
لقيت العفاة بآمالها
وزرت العداة بآجالها
307
وأقبلت الروم تمشي إليك
بين الليوث وأشبالها
308
إذا رأت الأسد مسبية
فأين تفر بأطفالها؟!
309
ودخل عليه ليلا وهو يصف سلاحا كان بين يديه ورفع، فقال ارتجالا:
وصفت لنا - ولم نره - سلاحا
كأنك واصف وقت النزال
310
وأن البيض صف على دروع
فشوق من رآه إلى القتال
311
فلو أطفأت نارك تا لديه
قرأت الخط في سود الليالي
312
إن استحسنت وهو على بساط
فأحسن ما يكون على الرجال
313
وإن بها، وإن به لنقصا
وأنت لها النهاية في الكمال
314
ولو لحظ الدمستق جانبيه
لقلب رأيه حالا لحال
315
وقال يمدحه، وأنشدها في جمادى الآخرة سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة:
316
ليالي بعد الظاعنين شكول
طوال وليل العاشقين طويل
317
يبن لي البدر الذي لا أريده
ويخفين بدرا ما إليه سبيل
318
وما عشت من بعد الأحبة سلوة
ولكنني للنائبات حمول
319
وإن رحيلا واحدا حال بيننا
وفي الموت من بعد الرحيل رحيل
320
إذا كان شم الروح أدنى إليكم
فلا برحتني روضة وقبول
321
وما شرقي بالماء إلا تذكرا
لماء به أهل الحبيب نزول
322
يحرمه لمع الأسنة فوقه
فليس لظمآن إليه وصول
323
أما في النجوم السائرات وغيرها
لعيني على ضوء الصباح دليل؟
324
ألم ير هذا الليل عينيك رؤيتي
فتظهر فيه رقة ونحول؟!
325
لقيت بدرب القلة الفجر لقية
شفت كمدي والليل فيه قتيل
326
ويوما كأن الحسن فيه علامة
بعثت بها والشمس منك رسول
327
وما قبل سيف الدولة اثار عاشق
ولا طلبت عند الظلام ذحول
328
ولكنه يأتي بكل غريبة
تروق على استغرابها وتهول
329
رمى الدرب بالجرد الجياد إلى العدا
وما علموا أن السهام خيول
330
شوائل تشوال العقارب بالقنا
لها مرح من تحته وصهيل
331
وما هي إلا خطرة عرضت له
بحران لبتها قنا ونصول
332
همام إذا ما هم أمضى همومه
بأرعن وطء الموت فيه ثقيل
333
وخيل براها الركض في كل بلدة
إذا عرست فيها فليس تقيل
334
فلما تجلى من دلوك وصنجة
علت كل طود راية ورعيل
335
على طرق فيها على الطرق رفعة
وفي ذكرها عند الأنيس خمول
336
فما شعروا حتى رأوها مغيرة
قباحا وأما خلقها فجميل
337
سحائب يمطرن الحديد عليهم