تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

60

أيها العرب، أنتم الآن بين ظهراني عدو يلندد،

61

يتجرع منكم الغصص، ويتحين بكم الفرص، ويود لو يبدلنكم الله ضعفا من قوة، وضنا بنفوسكم من فتوة،

62

وهزيمة من ظفر، واستحالة لصفوكم إلى كدر، فيثب بكم وثبة الغضنفر نال منه الجوع والسعار،

63

ويسعل بكم كما يسعل هذا البركان فيرمي بحممه والشرار، فإذا فترت منكم الهمم، ووهت العزائم، وأغمدتم السيوف في الأجفان، وقعدتم عن نصر الله في كل آونة وكل مكان، وسكنتم إلى الترف والنعيم، وجرتم - معاذ الله - عن النهج القويم، ودب إليكم ما قد دب إلى هذه الأمم الحمراء، من الحسد والبغضاء؛ فإنكم صائرون - لا محالة - إلى ما قد صاروا إليه، وإذ ذاك يصيركم الله بعد نصركم فلا،

64

ويديل من عزكم ذلا، ومن كثركم قلا، وتئيضون بعد على هذا العالم كلا.

65

وبعد أن فرغ من كلامه خرج، وخرج معه رجاله، وعلوا متون الجياد، وذهبوا إلى حيث يعلون كلمة الدين، ويذيعون التقى والحق واليقين، وينسفون دعائم الشرك والإلحاد، ويفكون أغلال الظلم من رقاب العباد.

مستمسكين بحق قائمين به

إذا تلون أهل الجور ألوانا

ولما أن قضيت صلاتي، خرجت من المسجد وقصدت إلى مرسى السفين، فوجدت ثمت مركبا يريد أن يعبر إلى جزيرة صقلية فنزلته، ثم أقلع وعبر بنا إلى مدينة مسيني؛ إحدى مدائن هذه الجزيرة، وأرسى فيها على مرسى عجيب يأخذ بالألباب؛ وذلك أن أكبر ما يكون من السفن يرسي من الشاطئ بحيث يتناول ما فيها من البر بالأيدي.

66

وقبل أن نسترسل في القول على مدينة مسيني وسائر البلدان التي مررت بها في هذه الجزيرة العجيبة، نذكر لك شيئا من تقويمها وتاريخها؛ حتى تكون على بينة من أمرها - إن شاء الله.

صقلية

هي جزيرة في البحر كبيرة على شكل مثلث متساوي الساقين، زاويته الحادة من غربي الجزيرة، بينها وبين ريو وبلاد قلورية من بر الأرض الكبيرة مجاز مسيني؛ حيث يتراوح البحر بين ستة أميال وعشرة أميال، وبين ذنبها الغربي وبين تونس نيف وستون ميلا، وزاويتها الجنوبية تقابل بر طرابلس من أفريقية، وبالقرب من زاويتها الشمالية جزيرة صغيرة فيها بركان النار الذي لا يعلم في العالم أشنع منظرا منه؛ وهذا بركان اسم لجبلين: أحدهما هذا، والثاني في صقلية نفسها في أرض خفيفة التربة، كثيرة الكهوف، ولا يزال يصعد من ذلك الجبل لهب النار تارة، والدخان أخرى؛ ومن ثم كانت كثيرة الزلازل، بحيث يكثر تهدم أبنيتها منها. وسيمر بك قريبا قول ضاف في هذا المعنى.

وقد كانت هذه الجزيرة قبل الفتح خاملة قليلة العمارة، وكانت من عمالات الروم، وأمرها راجع إلى الأنبرور صاحب قسطنطينية، وكان عليها وال من قبل هذا الأنبرور يسمى قسطنطين، وكانت أفريقية

67

تحت ولاية زيادة الله بن الأغلب - كان واليا عليها من قبل المأمون بن هارون الرشيد - فلما كانت سنة ثنتي عشرة ومائتين، استعمل الأنبرور على الأسطول قائدا روميا يسمى فيمي، وكان حازما شجاعا، فغزا سواحل أفريقية وعبث فيها، وبقي هناك مدة، وبعد ذلك كتب الأنبرور إلى قسطنطين يأمره بالقبض على فيمي وتعذيبه، فنمى الخبر إلى فيمي، فانتقض وتعصب له أصحابه، وسار إلى مدينة سرقوسة؛ إحدى مدائن صقلية، فملكها، فسار إليه قسطنطين فالتقوا واقتتلوا، فانهزم قسطنطين إلى مدينة قطانية، فسير إليه فيمي جيشا فقبضوا عليه وقتلوه، واستولى فيمي على صقلية وخوطب بالملك، وولى على ناحية من الجزيرة رجلا اسمه بلاطة، فاتفق بلاطة هو وابن عم له يسمى ميخائيل - كان واليا على بلرم - وجمعا عسكرا كثيرا وقاتلا فيمي، فانهزم فيمي وركب في أسطوله إلى أفريقية مستنجدا بزيادة الله بن الأغلب، فسير معه أسطولا عظيما في تسعمائة فارس وعشرة آلاف راجل، واستعمل عليهم أسد بن الفرات - قاضي القيروان، ومن أصحابه مالك رضي الله عنه، وهو مصنف الأسدية في الفقه على مذهب مالك - وأقلعوا من سوسة،

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديع · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديعص ٩