58
كما سيمر بك، إن شاء الله.
ولقد كان من أجل عناية العبيديين وبني أمية بشأن الأساطيل وتفوقهم في ذلك على سائر الممالك الإسلامية للسبب الذي قدمناه، وهو وجودهم على ضفاف هذا البحر، أن انبعثت قرائح الشعراء في الأندلس وأفريقية بالقول في وصف الأساطيل، واختص أدباء هذين القطرين بهذا الباب من الوصف، حتى لا تكاد تجد لشعراء المشرق يدا فيه. ومن أحسن ما سمعناه لشعراء المغرب في الأسطول دالية أبي القاسم محمد بن هانئ؛ الشاعر الأندلسي المنقطع الآن للمعز العبيدي، وقد تقدمت في صدر هذه الرسالة، وبائية علي بن محمد الإيادي التونسي؛ شاعر القائم العبيدي، وهي دون الدالية، وفيها يقول:
شرجوا جوانبه مجاذف أتعبت
شأو الرياح لها ولما تتعب
تنصاع من كثب كما نفر القطا
طورا وتجتمع اجتماع الربرب
والبحر يجمع بينها فكأنه
ليل يقرب عقربا من عقرب
وعلى كواكبها أسود خلافة
تختال في عدد السلاح المذهب
فكأنما البحر استعار بزيهم
ثوب الجمال من الربيع المعجب
ومنها في وصف الشراع:
ولها جناح يستعار يطيرها
طوع الرياح كراحة المتطرب
يعلو بها حدب العباب مطارة
في كل لج زاخر مغلولب
يسمو بأجرد في الهواء متوج
عريان منسوج الذؤابة شوذب
59
يتنزل الملاح منه ذؤابة
لو رام يركبها القطا لم يركب
فكأنما رام استراقة مقعد
للسمع إلا أنه لم يشهب
وكأنما جن ابن داود هم
ركبوا جوانبها بأعنف مركب
سجروا جواحم نارها فتقاذفوا
منها بألسن مارج متلهب
من كل مسجور الحريق إذا انبرى
من سجنه انصلت انصلات الكوكب
عريان يقذفه الدخان كأنه
صبح يكر على الظلام الغيهب
إلى أن قال:
ولواحق مثل الأهلة جنح
لحق المطالب فائتات المهرب
يذهبن فيما بينهن لطافة
ويجئن فعل الطائر المتقلب
كنضانض الحيات رحن لواعبا
حتى يقعن ببرك ماء الميزب
وبعد، فإن لشعراء المغرب من بارع القصيد في هذا الباب ما لا يحصى كثرة، وما ينم عن عظمة الأساطيل عند الدول الإسلامية، وبلوغها لديهم الشأو الذي لا يلحق، حتى وصل المسلمون إلى ما وصلوا إليه من الصولة، واتساع الملك، وضخامة السلطان.
ومن هنا تعرف مكان الأساطيل من الدول، ولا سيما دول البحار؛ مثل الدول الإسلامية لعهدنا، وأن الأسطول هو سياج الدولة وعمادها، وبه عزها، وعليه - بعد الله - اعتمادها؛ بل هو درعها المسردة التي تتقي بها سهام الأعداء وتحول، وسلاحها الذي تطول به في البحر وتصول، وجناحها الذي تطير به في سماء المجد وتجول. وإن دولة لم تعن العناية كلها بالأساطيل، وترسلها على متن هذا البحر طيرا أبابيل؛ هي لعمري دولة مقصوصة الجناح، وكالأعزل يقتحم الهيجاء بغير سلاح.
وما خير كف أمسك الغل أختها
وما خير سيف لم يؤيد بقائم
ولما نزلت على ريو، أخذت سمتي إلى مسجدها الجامع لأصلي فيه صلاة الصبح، وأثلج صدري ببرد التقى وشعائر الإسلام، وأجلو بعضا من وعثاء السفر الزؤام، وما زلت حتى أخذت عيني بناء شاهقا تعتم مئذنته بالعماء، كأنما تبث حديثا إلى ملائكة الله في السماء، أو كأنها تعلن برفعتها رفعة الإسلام وعزة أهله على عبد الطاغوت والأصنام، وكذلك رأيت كل من مر بهذا المسجد من الروم أغضى من مهابته ذلة وصغارا، وإجلالا لدين الله وإكبارا، مما ألقاه في قلوبهم من الرعب واختشاء المسلمين أبو الغنائم الحسن بن علي - رحمه الله.
ولما توسطت باحة المسجد، رأيت صفوف المصلين من الرجال وأمامهم المحراب كسطور أمامها عنوان الكتاب، وخلف الرجال حاجز من خشب يليه صفوف المصليات من النسوان، كما تكون هوامش الصفحة يفصلها من سائرها أحمر من المداد قان، فانضممت إلى صفوف المصلين وصليت معهم صلاة الصبح. ولما أن سلم الإمام، وكان قائدا من قواد العرب في هذه البلاد - وكذلك كان أئمة المسلمين في الحروب والسياسات، أئمة لهم في التقى والصلوات - قام واتكأ على سيفه وقال: