68
فوصلوا إلى مدينة مأزر من صقلية، وساروا إلى بلاطة الذي قاتل فيمي فهزموه والروم الذين معه، وغنموا أموالهم، وهرب بلاطة إلى قلورية، فقتل واستولى المسلمون على عدة حصون من الجزيرة، وجرت وقائع كثيرة بين الروم والمسلمين امتدت سنين طوالا، وانتهت باستيلاء المسلمين على جميع جزيرة صقلية. وبقيت صقلية بيد بني الأغلب يتناوبها عمالهم إلى أن أدال الله منهم للعبيديين، ودانت لعبيد الله المهدي أفريقية وما إليها، فأخذوا يبعثون عمالهم عليها إلى أن كانت فتنة أبي يزيد، وشغل أبو القاسم القائم والمنصور العبيدي من بعده بأمره - فلما انقضت فتنة أبي يزيد، عقد المنصور على صقلية لأبي الغنائم الحسن بن أبي الحسين بن علي الكلبي - وكان له في الدولة محل كبير، وفي مدافعة أبي يزيد
69
غناء عظيم - فمهد الأمور للعبيديين، وغزا بلاد قلورية، وأقام واليا على صقلية وما إليها إلى أن استأثر الله بالمنصور، وقام بالأمر من بعده ولده المعز لدين الله أبو تميم معد، فسار الحسن إليه بأفريقية سنة إحدى وأربعين، واستخلف على ما وراءه ابنه أبا الحسين أحمد. ولا يزال هذا الأمير، أيده الله واليا على صقلية وما إليها إلى اليوم، وهو سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، ومقامه ببلرم حضرة هذه الجزيرة.
وهذه الجزيرة جد خصيبة ،
70
وكلؤها لا ينقطع في صيف ولا شتاء، وهي كثيرة الأمواه والعيون والفواكه والأرزاق،
71
وجبالها كلها مثمرة بالتفاح والشاه بلوط
72
والبندق والإجاص، ومنها يجلب الجوز والقسطل إلى بلاد أفريقية، ويجلب منها كثير من القطن، وفيها معادن الذهب والفضة والنحاس والرصاص والزئبق،
73
وهي مستبحرة العمران، كثيرة المدن والقرى والضياع؛ فقد أخبرني ثبت ثقة أن بهذه الجزيرة مائة وثلاثين بلدا
74
بين مدينة وقلعة، عدا ما فيها من الضياع والمنازل والبقاع، وكلها مسكونة بالمسلمين، ملأى بالمساجد والفنادق والحمامات، وفيها من العلماء والفلاسفة والأدباء ما لا يكاد يدركه العد والإحصاء،
75
ومن مشهور مدائنها مدينة بلرم؛ قصبة هذه الجزيرة، وسيأتي القول عليها مفصلا عند ذكر وصولنا إليها - إن شاء الله - وبين مدينة بلرم هذه وبين مدينة مسيني توجد المدن الآتية واقعة على ساحل البحر غربي هذه الجزيرة، وهي مدينة ثرمة وليبري وبقطش وجفلوذ والقارونية وقلعة القوارب وميلاص وجطين
76
وشنت ماركو. وبين مسيني وبلرم على سيف البحر شرقي الجزيرة وجنوبيها تقع البلدان الآتية على الترتيب الآتي هكذا: مدينة طبرمين بشرقي مدينة مسيني على مرحلة منها - وهي مدينة أزلية قديمة من أشراف البلاد وأعيانها،
77
وقلعة حصينة من أصول القلاع وأركانها، وهي على جبل مطل على البحر يسمى جبل الطور،
78
وفيها - كما حدثني أبو عبد الله الصقلي الفيلسوف
79 - ملعب من ملاعب الروم القديمة كأنه شعب بوان، الذي يقول فيه أبو الطيب المتنبي:
مغاني الشعب طيبا في المغاني
بمنزلة الربيع من الزمان
ملاعب جنة لو سار فيها
سليمان لسار بترجمان
طبت فرساننا والخيل حتى
خشيت وإن كرمن من الحران
80
غدونا تنفض الأغصان فيه
على أعرافها مثل الجمان
81
فسرت وقد حجبن الشمس عني
وجئن من الضياء بما كفاني
82
وألقى الشرق منها في ثيابي
دنانيرا تفر من البنان
83
لها ثمر تشير إليك منها
بأشربة وقفن بلا أواني
84
وأمواه يصل بها حصاها
حليل الحلي في أيدي الغواني
وقد فتح المسلمون هذه المدينة أيام إبراهيم بن أحمد بن الأغلب - وكان عادلا حازما في أموره، آمن البلاد، وعصف بأهل البغي والفساد،
85
وبنى الحصون والمحارس على سواحل البحر، حتى كان توقد النار من سبتة فينتهي الخبر إلى الإسكندرية في الليلة الواحدة.
86
وذلك
87
لسبع بقين من شعبان سنة تسع وثمانين ومائتين، الموافق أول أغشت الرومي سنة اثنتين وتسعمائة. وكان لفتح هذا البلد أسوأ وقع في نفس الأنبرور؛ صاحب القسطنطينية، حتى بقي سبعة أيام لا يلبس التاج، وقال: لا يلبس التاج محزون