تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

49

أما قلورية فهي جزيرة كبيرة داخلة في البحر مستطيلة شرقي جزيرة صقلية، وأهلها إفرنج، ولها بلاد كثيرة، وأرض واسعة ينسب إليها - فيما أحسب - أبو العباس القلوري؛ حدث عنه أبو داود السجستاني في سننه،

50

وقد غزا المسلمون أزمان بني الأغلب هذه الجزيرة وأرض أنكبردة «لومبارديه»، وأمعنوا فيهما، واستولوا على مدينة بارة

51

الواقعة على جون البنادقين

52

أيام قارلة

53

أنبرور الفرنج، وكذلك استولوا على مدينة طارنت من أرض أنكبردة، ومدينة ملف، وقلعة قسانة، وبلدان أخرى، وقرعوا أبواب رومة العظيمة، وغنموا منها غنائم لا يستقام لها قيمة،

54

وضربوا الجزية على البابا عظيم النصرانية، وذلك عدا أنهم فتحوا مدينة جنوة، الواقعة على خليج الجنويين، وأكثر جزائر هذا البحر الرومي. وجملة القول أن المسلمين أثخنوا في بلاد الأرض الكبيرة وألحوا في قهرها، وغلبوا أممها على أمرها، وضربت أساطيلهم بجزائر هذا البحر ضراء الضياغم بفرائسها، وأديل لهم بها من أملاكها

55

وأناسها؛ وذلك كله بما قوى عزائمهم من الحق واليقين، وألف بين قلوبهم من وشائج هذا الدين، وبما ألجأتهم إليه الحال، وامتلاكهم لسيف

56

هذا البحر الجم الأهوال؛ مما أحكمهم وأشغفهم بحبه، وجعل لهم دربة بركوبه وحربه، وأغراهم بإنشاء الأساطيل فيه ينقضون بها على جزائره التي يخطئها العد والإحصاء، وعلى عدوته الشمالية،

57

وهي أمنع من العقاب في أجواز الفضاء، وعلى أهلها من أمم فرنجة، وهي أعز وأبعد منالا، وإن كان للمسلمين:

شرف ينطح السماك بروقيه

وعز يقلقل الأجبالا •••

وهم البحر ذو الغوارب إلا

أنه صار عند بحرك آلا

وقد كان المسلمون في الصدر الأول يتحاشون ركوب البحر حتى كان من عمر بن الخطاب - لما كتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر يستوصفه البحر، فكتب إليه عمرو فيما كتب: إن البحر خلق عظيم يركبه خلق ضعيف دود على عود - أن أوعز بمنع المسلمين من ركوبه، فتحرجوا منه وعبروا على ذلك حينا من الدهر؛ حتى إذا كان لعهد معاوية أذن في ركوب أثباجه، والجهاد على متون أمواجه؛ وذلك لأن العرب لبداوتهم لم يكن لهم مران عليه، وحذق بركوبه، بينما الروم والفرنجة لممارستهم أحواله ومرباهم في التقلب على أعواده للحرب والاتجار مرنوا عليه، وأحكموا الدربة بثقافته، والحرب في أساطيله، حتى كان من ذلك أن أغار الروم من العدوة الشمالية على أفريقية من العدوة الجنوبية، والقوط على المغرب منها؛ أجازوا في الأساطيل وملكوها، وتغلبوا على البربر بها، وانتزعوا من أيديهم أمرها، وكان لهم بها المدن الحافلة، مثل قرطاجنة وطنجة، وكان صاحب قرطاجنة من قبلهم يحارب صاحب رومة، ويبعث الأساطيل لحربه مشحونة بالعساكر والعدد، فكان ذلك ديدن أهل هذا البحر الساكنين حفافيه في القديم والحديث.

فلما استقر الملك للعرب، وشمخ سلطانهم، وصارت أمم الأعاجم خولا لهم وتحت أيديهم، ومت إليهم كل ذي صنعة بمبلغ صناعته، واستخدموا من النواتية في حاجاتهم البحرية أمما، وتكررت ممارستهم للبحر وثقافته، شرهوا إلى الجهاد فيه، فأنشئوا السفن والأساطيل، وشحنوها بالرجال والسلاح، وأمطوها العساكر والمقاتلة لمن وراء البحر من هذه الأمم الحمراء، واختصوا بذلك من ممالكهم وثغورهم ما كان أقرب لهذا البحر وعلى حافته، مثل الشام وأفريقية والمغرب والأندلس، فأوعز عبد الملك بن مروان إلى حسان بن النعمان؛ عامل أفريقية، باتخاذ دار الصناعة بتونس لإنشاء الآلات البحرية، حرصا على مراسم الجهاد، ومنها كان فتح صقلية أيام زيادة الله بن الأغلب، كما سيمر بك، ثم تسلسل الأمر حتى بلغ شأن الأساطيل عند العبيديين أصحاب أفريقية، وعند بني أمية بالأندلس، مبلغا غلبوا معه على هذا البحر من جميع جوانبه، وعظمت صولتهم وسلطانهم فيه، وصار لا قبل لأمم النصرانية بأساطيلهم به، وملكوا سائر الجزائر المنقطعة عن السواحل منه؛ مثل أقريطش وصقلية وقبرص ومالطة وقوصرة وسردانية وميورقة ومنورقة ويابسة،

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديع · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديعص ٧