هواي مع الركب اليمانين مصعد
جنيب وجثماني بمكة موثق
ذاك انفصالي عن فضل المدنية، التي هي مراد السمع، ومرتع النفس، وربيع القلب، ومجال الهوى، ومسلاة الكئيب، وأنس الوحيد، وزاد الراكب. ولا بدع؛ فهناك الجمال الرائع، والظرف البارع، والشباب البض، والأدب الغض، ورقة الحاشية، وخفة الناحية، وعذوبة المعاشرة، وحلاوة المحاضرة.
وحديثها السحر الحلال لو انه
لم يجن قتل المسلم المتحرز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت
ود المحدث أنها لم توجز
شرك العقول ونزهة ما مثلها
للمطمئن وعقلة المستوفز •••
فكأن لفظ حديثها
قطع الرياض كسين زهرا
وكأن تحت لسانها
هاروت ينفث فيه سحرا
حوراء إن نظرت إلي
ك سقتك بالعينين خمرا
تنسي الغوي معاده
وتكون للحكماء ذكرا •••
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي
متأخر عنه ولا متقدم
أجد الملامة في هواك لذيذة
حبا لذكرك فليلمني اللوم
وما أنس من الأشياء لا أنس صوتها العذب الذي كأنه مجاج النحل، وغناءها الحبيب إلى النفوس حتى كأنها خلقت من كل قلب، فهي تغني لكل ما أحب، ولقد كان يخيل إلينا وهي تغنينا في المركب أنا في الفردوس يطربنا نبي الله داود:
إذا هي غنت أبهت الناس حسنها
وأطرق إجلالا لها كل حاذق •••
غنت فلم تبق في جارحة
إلا تمنت بأنها أذن •••
تتغنى كأنها لا تغني
من سكون الأوصال وهي تجيد
مد في شأو صوتها نفس كا
ف كأنفاس عاشقيها مديد
وأرق الدلال والغنج منه
وبراه الشجا فكاد يبيد
فتراه يموت طورا ويحيى
مستلذ بسيطه والنشيد
في هوى مثلها يخف حليم
راجح حلمه ويغوي رشيد
خلقت فتنة غناء وحسنا
ما لها فيهما جميعا نديد
وأين لا أين مزهرها الذي كأن صوته صرير باب الجنة، والذي كانت إذا تناولته لتضرب على أوتاره فكأنما تنتظم قلوبنا لتضرب على أوتارها، وهكذا هكذا فليكن الغناء وسماعه، وهل خلقت الأغاني، لعمر إلهك، إلا للغواني؟! وكم بين أن تسمع الغناء من فم تشتهي أن تقبله، وبين أن تسمعه من فم تشتهي أن تشيح بوجهك عنه! وأيهما أملح وأجمل؟ أن يغنيك فحل ملتف اللحية وشيخ منخلع الأسنان متغضن الوجه، أو تغنيك غانية كطاقة نرجس أو آس، وكأنها حورية أبقت من رضوان خازن الجنان، فآه من جمالها! وآه من حديثها! وآه من غنائها! وآه من مزهرها! ولكن نزلت ريو وفارقتني فضل، ولله الأمر من بعد ومن قبل.
يا وحشتا للغريب في البلد الن
ازح ماذا بنفسه صنعا؟
فارق أحبابه فما انتفعوا
بالعيش من بعده ولا انتفعا
يقول في نأيه وغربته
عدل من الله كل ما صنعا
وهذه ريو هي مدينة عظيمة من مدائن جزيرة قلورية من بر الأرض الكبيرة، واقعة على مجاز مسيني، بينها وبين مسيني نحو من عشرة أميال، وبها مسجد كبير بناه في وسطها أبو الغنائم الحسن بن علي بن أبي الحسين الكلبي؛ والي صقلية. كان من قبل المنصور العبيدي بعد أن اكتسح بلاد قلورية جميعا وتغلغل في أحشائها، وشيد بها المعاقل والحصون، وأرغم أنوف أهليها من الروم، وذلك فيما بلغني أن الأنبرور
48
صاحب القسطنطينية كان قد أرسل سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة للهجرة بطريقا في البحر في جيش عرمرم إلى جزيرة صقلية، فأرسل الحسن إلى المنصور العبيدي يعرفه الحال، فأرسل إليه أسطولا فيه سبعة آلاف فارس، وثلاثة آلاف راجل سوى البحرية، وجمع الحسن إليهم جمعا كثيرا وسار من بلرم؛ قصبة صقلية في البر والبحر، فوصل إلى مسيني، وعبرت العساكر الإسلامية إلى ريو هذه، وبث الحسن سراياه في أرض قلورية، ونزل هو على بلد يسمى جراجة وحاصرها أشد حصار حتى أشرف أهلوها على الهلاك من شدة العطش.
وإنه لفي ذلك إذ وصله الخبر أن الروم قد زحفوا إليه، فصالح أهل جراجة على مال أخذه منهم وسار إلى لقاء الروم، ففروا من غير حرب إلى مدينة تدعى بارة، ونزل الحسن على قلعة تعرف بقلعة قسانة، وبث سراياه إلى قلورية، وأقام عليها شهرا فسألوه الصلح، فصالحهم على مال أخذه منهم، ودخل الشتاء فرجع الجيش إلى مسيني، وشتى الأسطول بها، فأرسل إليه المنصور يأمره بالرجوع إلى قلورية، فسار الحسن وعبر المجاز إلى جراجة، فالتقى المسلمون والروم يوم عرفة سنة أربعين وثلاثمائة، فاقتتلوا أشد قتال رآه الناس، فانهزمت الروم، وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل، وغنموا أثقالهم وسلاحهم ودوابهم، ثم دخلت سنة إحدى وأربعين، فقصد الحسن جراجة فحصرها، فأرسل إليه الأنبرور يطلب منه الهدنة فهادنه، وعاد الحسن إلى ريو وبنى بها مسجدا كبيرا في وسطها، وشرط على الروم أنهم لا يمنعون المسلمين من عمارته، وإقامة الصلاة فيه والأذان، وأن لا يدخله نصراني، ومن دخله من الأسارى المسلمين فهو آمن، سواء كان مرتدا أو مقيما على دينه، وإن أخرجوا حجرا منه هدمت كنائسهم كلها بصقلية وأفريقية، فوفى الروم بهذه الشروط كلها ذلة وصغارا.