تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما أقلعنا عن بر جزيرة أقريطش؛ أسعدت الريح، وأصحت السماء، ونام عنا البحر، وأخذت السفينة تشق اليم شق الجلم،

18

وأخذنا في سمت جزيرة صقلية

Sicily ، وما زلنا حتى قطعنا سبعمائة ميل في مدى أربعة أيام بلياليها. ولما قاربنا صقلية، وصرنا منها أدنى ذي ظلم؛

19

أخذت أعيننا أشباحا كالأعلام تسير على وجه الماء تنضم إلى بعضها تارة، وتنصاع كسرب القطا أخرى، فتساءلنا، فقيل لنا: إن هذا أسطول المعز لدين الله أبي تميم معد العبيدي يغدو ويروح بين صقلية وبين قلورية

Calabria

من بر الأرض الكبيرة «أوروبا»، فاغتبط بهذا المنظر تاجر مغربي أديب من أهل المهدية نزل معنا من أقريطش بنية الوفود إلى صقلية، وأخذت منه هزة الطرب حين رأى أسطول بلده، ورفع عقيرته - وقد أنافت برأسه النعرة - نعرة العصبية - قائلا: لله أبو القاسم محمد بن هانئ الأندلسي؛ شاعر سيدنا المعز، لكأنه يرى ما نرى الآن حين يقول في هذا الأسطول:

أما والجواري المنشآت

20

التي سرت

لقد ظاهرتها

21

عدة

22

وعديد

23

قباب

24

كما ترخي القباب على المها

25

ولكن من ضمت عليه أسود

عليها غمام مكفهر صبيره

26

له بارقات جمة ورعود

أنافت بها أعلامها

27

وسمالها

بناء على غير العراء مشيد

من الراسيات الشم لولا انتقالها

فمنها قنان شمخ وريود

28

من الطير إلا أنهن جوارح

فليس لها إلا النفوس مصيد

من القادحات النار تضرم للصلى

فليس لها يوم اللقاء خمود

إذا زفرت غيظا ترامت بمارج

كما شب من نار الجحيم وقود

فأفواههن الحاميات صواعق

وأنفاسهن الزافرات حديد

لها شعل فوق الغمار

29

كأنها

دماء تلقتها ملاحف سود

تعانق موج البحر حتى كأنه

سليط له فيه الذبال عتيد

30

ترى الماء فيها وهو قان عبابه

كما باشرت ردع الخلوق جلود

31

فليس لها إلا الرياح أعنة

وليس لها إلا الحباب كديد

32

وغير المذاكي نجرها

33

غيرانها

مسومة تحت الفوارس قود

رحيبة مد الباع وهي نتيجة

بغير شوى

34

عذراء وهي ولود

35

تكبرن عن نقع

36

يثار كأنها

موال

37

وجرد الصافنات عبيد

لها من شفوق العبقري ملابس

38

مفوفة

39

فيها النضار جسيد

40

كما اشتملت فوق الأرائك خرد

41

أو التفعت فوق المنابر صيد

42

لبوس تكف الموج وهو غطامط

43

وتدرأ بأس اليم وهو شديد

فمنه دروع فوقها وجواشن

44

ومنها خفاتين

45

لها وبرود

وإنا لفي ذلك إذ رأينا قلورية من بر الأرض الكبيرة عن يميننا، وبر جزيرة صقلية عن يسارنا، ثم دخلنا المجاز الذي بينهما فرأينا بحرا صعبا ينصب انصباب العرم، ويغلي غليان المرجل لشدة انحصاره وانضغاطه، فاستمر مركبنا في سيره والريح الجنوبية تسوقه سوقا عنيفا ، فلما شارفنا مدينة ريو

Reggio ، وقد كان الليل مظلما ربوض النواحي، ضربت في وجوهنا ريح أنكصتنا على الأعقاب، وحالت بين الأبصار والارتقاب، وتتابعت علينا عوارض ديم صرنا منها ومن الليل والبحر في ثلاث ظلم، وعباب البحر تتوالى صدماته، وتطفر الألباب رجفاته، فقطعنا هذه الليلة البهماء في مقاساة أهوال تجعل الولدان شيبا،

46

ثم تداركنا صنع الله مع السحر، ففترت الريح، ولان متن البحر، وجاءت ريح رخاء زجت المركب تزجية حسنة إلى مدينة ريو.

وكان ذلك في فجر اليوم التاسع ليوم انفصالنا عن الإسكندرية. وما أرسى المركب على هذه المدينة حتى أقلع عنها كي لا يحسه أسطول العبيديين ويثأر منه؛ وذلك - فيما علمت - أن المركب الأندلسي كان قد تحرش وهو ذاهب إلى بلاد المشرق بمركب للمعز فيه كتب ورسائل، فقطع عليه المركب الأندلسي وأخذه بما فيه.

47

فتملكنا الذعر لذلك الخبر، ونزت قلوبنا خوفا على أنفسنا؛ ومن ثم اعتزمت أن أنزل من هذا المركب على أقرب بلد يرسي عليه، وكذلك نزلت منه عند إرسائه على هذه المدينة، وحمدت الله الذي لا يحمد على المحبوب والمكروه سواه.

بيد أني ما انفصلت عن المركب حتى انفصل عني قلبي، وسار مع من فيه، وأصبحت على حد قول القائل:

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديع · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديعص ٥