10
الألباب، وشرك النفوس، تجلى لنا فيه جمال الكون وصانعه ، فكنت ترى السماء صافية الأديم، زاهرة النجوم، وكوكب الزهرة مقبلا من ناحية المشرق يحفه الجمال والجلال، فلولا التقى لقلت: جلت قدرته! وترى البحر كأنه مرآة مصقولة تنظر السماء فيها وجهها، فكأنما الماء سماء، وكأن السماء ماء، وترى النوتية مجدين في التجديف على حال لو هممت بتشبيهها بشيء حسن لاضطرك حسنها إلى رده إليها.
مجاذف كالحيات مدت رءوسها
على وجل في الماء كي تروي الظما
كما أسرعت عدا أنامل حاسب
بقبض وبسط يسبق العين والفما
11
وفيما بين ذلك تسمع فضل تغني في قبتها مواليا بغدادية ساحرة، وبين يديها مزهر تقلدته أطرافها:
تميت به ألبابنا وقلوبنا
مرارا وتحييهن بعد همود
إذا نطقت صحنا وصاح لنا الصدى
صياح جنود وجهت لجنود
ظللنا بذاك الديدن اليوم كله
كأنا من الفردوس تحت خلود
ومضى على ذلك ثلاثة أيام بلياليها كنا من أوقاتها في بلهنية
12
من العيش، وغفلة عن أعين الدهر، ووصال أخضر، ونعمى لا يشوبها بؤس ولا كدر، فلما كان اليوم الرابع - ولا كان - هبت علينا ريح عاصف رمتنا بها الأقدار من حيث لا ندري، فأرغى البحر وأزبد، وأبرق وأرعد، وتلاطمت الأمواج، واهتاجت أيما اهتياج، وصار بها - عمرك الله - مثل الجنون، وتراءت في صورها المنون.
وقد فغر الحمام هناك فاه
وأتلع جيده الأجل المتاح
13
فانقلب يسرنا عسرا، وأدال الله من الحلو مرا، وعظم الخطب، وعم الكرب، ونحن في ذلك قعود كدود على عود، وقد نبت بنا من القلق أمكنتنا، وخرست من الفرق ألسنتنا، وتوهمنا أنه ليس في الوجود أغوار ولا نجود، إلا السماء والماء، وذلك السفين، ومن في قبر جوفه دفين.
البحر صعب المرام جدا
لا جعلت حاجتي إليه
أليس ماء ونحن طين
فما عسى صبرنا عليه
14
ولبثنا على هذه الحال من ظهر اليوم الرابع إلى سحره، وبعد ذلك فترت الحال بعض الفتور، ثم جاءت ريح رخاء زجت السفينة إلى بر جزيرة أقريطش «كريد» أهنأ تزجية، وأخذنا نسير في محاذاتها، فما كان إلا كلا ولا حتى وصلنا إلى مدينة الخندق؛
15
إحدى مدنها ومرافئها العظيمة، فأرسينا بها ريثما نشتري منها ما يعوزنا من الخبز واللحم والماء والفاكهة.
أقريطش
وهذه الجزيرة من جزر بحر المغرب الكبيرة، فيها مدن وقرى كثيرة، يقابلها من بر أفريقيا لوبيا، وجميع سكانها الآن مسلمون، وأميرها يسمى عبد العزيز بن شعيب؛ من ولد أبي حفص البلوطي الأندلسي،
16
وذلك فيما علمت أن الحكم بن هشام؛ أمير الأندلس؛ كان قد أمعن صدر ولايته في اللذات، فاجتمع أهل العلم والورع بقرطبة؛ مثل: يحيى بن يحيى الليثي؛ صاحب مالك وأحد رواة الموطأ عنه، وطالوت الفقيه، وغيرهما، فنقموا عليه، وثاروا به، وبايعوا بعض قرابته، وكانوا بالربض الغربي من قرطبة - محلة متصلة بقصره - فقاتلهم الحكم واستلحمهم، وهدم ديارهم ومساجدهم، فلحقوا بفاس من أرض العدوة
17
وبالإسكندرية. وبعد أن أقاموا في الإسكندرية حينا من الدهر، تلاحى رجل منهم مع جزار من سوقتها، فنادوا بالثأر، واستلحموا كثيرا من أهل البلد وأخرجوا بقيتهم، وامتنعوا بها، وولوا عليهم أبا حفص عمر بن شعيب البلوطي - ويعرف بأبي الفيض من أهل قرية مطروح؛ من عمل فحص البلوط المجاور لقرطبة - فقام برئاستهم.
وكان على مصر يومئذ عبد الله بن طاهر من جهة المأمون، فزحف إليهم وحصرهم بالإسكندرية، فاستأمنوا له فأمنهم وبعثهم إلى هذه الجزيرة - أقريطش - فعمروها، وأضاءوها بنور الإسلام، وشيدوا بها المعاقل والحصون والمدن العظيمة؛ مثل الخندق التي اشترينا منها خبزنا ولحمنا، وبهرنا ما رأينا فيها من حضارة العرب وعز الإسلام، ولا يزال أميرها إلى اليوم - وهو سنة خمس وأربعين وثلاثمائة - من ولد أبي حفص البلوطي، وهو الأمير عبد العزيز بن شعيب، أدام الله عليه ملكه، وأبعد عنه كيد الأعداء.