3
كل ما كان لغيرنا ونقلناه بلفظه أو بمعناه نبهنا إليه في هامش الكتاب؛ ومن ثم يكون كل ما لم ننبه إلى مصدره فهو لنا معنى ولفظا، اللهم إلا ما نتمثل به من بيت مشهور، أو مثل سائر، أو أبيات قد عرف قائلها. على أنا إذا كنا في موضع تاريخي أو وصف جغرافي قد نبهنا إلى المصدر الذي اعتمدنا عليه، ففي الغالب الكثير تكون العبارة لنا، وإنما الذي لغيرنا هو العصارة التاريخية أو الجغرافية وما إليهما. وقد نسهو عن التنبيه إلى المصدر؛ إما لأنا لم نقيد ما ننقل حين النقل فلم نهتد إلى موضعه بعد ذلك؛ وإما لأن ما ننقله من غيرنا إنما نقلناه بواسطة حافظتنا.
4
قد نتمثل في بعض الأحايين ببيت أو أبيات تأخرت أوقات قائليها عن زمن الرحلة؛ مثل تمثلنا بأبيات لابن خفاجة أو لابن حمديس مثلا، ونحوه؛ فإنا لا نرى بأسا في ذلك ما دامت هاتيك الأزمان متقاربة متشاكلة، وحسبنا التنبيه إلى ذلك في هامش الكتاب.
أما بعد، فيرحم الله عمرو بن بحر إذ يقول: «لا يزال المرء في فسحة من عقله ما لم يقل شعرا أو يؤلف كتابا.» ويرحم الله القائل: «عرض بنات الصلب على الخطاب أهون من عرض بنات الصدر على ذوي الألباب.» فإذا كنت قد وفقت أو قاربت التوفيق في هذا الكتاب، وإلا فحسبي أني لا آلو جهدا ولا أدخر وسعا، وأني أخلص النية، وأراقب الله في كل ما أعمل، على أنه لا كمال في الأرض، وإنما الكمال لله وحده، إليه سبحانه الرغبة في أن يحوط كل ما أعتمل بكلاءته، وأن يغشيه دائما بالقبول. إنه سميع الدعاء.
عبد الرحمن البرقوقي
| هوامش
| الرسالة الأولى
من الإسكندرية إلى المرية
كان انفصالي عن الإسكندرية للوفود إلى الأندلس بسحرة يوم من أيام سنة خمس وأربعين وثلاثمائة من هجرة المصطفى
صلى الله عليه وسلم ، الموافقة سنة ست وخمسين وتسعمائة لميلاد السيد المسيح - صلوات الله عليه؛ وذلك في سفينة عدولية
1
لأمير المؤمنين بالأندلس عبد الرحمن الناصر، لم نر قط مثلها. وكان عبد الرحمن فيما بلغني مولعا بإنشاء السفن والأساطيل، فأنشأ هذا المركب الكبير الذي لم يعمل مثله، وسير فيه أمتعة وبضائع إلى بلاد المشرق؛ لتباع هناك وتستبدل بها بضائع من هاتيك البلاد، فمر بكثير من ثغور البحر الشامي، وكان آخر ما مر به الإسكندرية.
2
ولما نزلت هذا المركب رأيت فيه كثيرا من أهل بغداد والموصل والشام ومصر يريدون الوفود إلى الأندلس، وممن عرفت منهم عالم لغوي أديب من أهل بغداد يعرف بأبي علي إسماعيل بن القاسم بن عيذون القالي،
3
وفقيه مصر أحمد بن أبي عبد الرحمن القرشي الزهري،
4
وفقيه مقرئ يسمى أبا الحسن علي بن محمد بن إسماعيل بن بشر التميمي الأنطاكي،
5
وتاجر رحلة من أهل الموصل يعرف بابن حوقل،
6
وقينة اسمها فضل المدنية؛
7
وأصل هذه القينة، كما أخبرتني، لإحدى بنات هارون الرشيد، ونشأت وتعلمت ببغداد، ونهدت من هناك إلى المدينة المشرفة؛ فازدادت ثم طبقتها في الغناء، ثم اشتريت للأمير عبد الرحمن مع صاحبة لها تسمى علم المدنية وصواحب أخرى. وقد عقدت الغربة بيني وبين فضل صحبة؛ لأن الغريب، كما قيل، للغريب نسيب. فرأيت منها أديبة ذاكرة، حسنة الخط، راوية للشعر، حلوة الشمائل، معسولة الكلام، ذلك إلى حذقها في الغناء ولباقتها به مع الظرف الناصع، والجمال الرائع، فكانت - صنع الله لها - سلوتنا في سفرنا، وكانت تجلو هموم السفر
8
ومرض البحر؛ بما تنفثه بيننا الفينة بعد الفينة
9
من سحر الحديث الذي يأخذ بالألباب، ويرتفع له حجاب القلوب، فهو كما قال أبو حية النميري فيمن يقول:
حديث إذا لم تخش عينا كأنه
إذا ساقطته الشهد أو هو أطيب
لو انك تستشفي به بعد سكرة
من الموت كادت سكرة الموت تذهب
ولما أقلعت بنا السفينة من مرسى الإسكندرية، تحركت الريح الشرقية نسيما فاترا عليلا، ثم غشى البحر ضباب رقيق سكنت له أمواجه، فعاد كأنه صرح ممرد من قوارير، فبقينا لاعبين على صفحة ماء تخاله العين سبيكة لجين، كأنا نجول بين سماءين، فكان لذلك منظر هو قيد النواظر، وغل