تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28

نعم، وفي الحق ما تقول؛ بيد أن شعراء المشرق، فضلا أن شعرهم أصفى ديباجة، وأكثر ماء وطلاوة، وأسد مسلكا، وأوضح منهجا، وأشكل في مبناه بالشعر القديم حتى لا يكاد يشذ عنه قيد شعرة، وفضلا أنه في الأعم الأغلب رصين متماسك جزل قوي غير مهلهل النسج؛ تراهم مع ذلك ذهبوا به كل مذهب من القول، وأفتنوا في مناحيه أيما افتنان، وغاصوا على المعاني غوصا حتى بلغوا في ذلك المبالغ، ووصلوا إلى الغاية التي لا وراءها.

وإني لا أظن أن لعلي بن العباس الرومي أو بشار بن برد أو أبي نواس أشباها ونظائر في هذه البلاد، على أني مع ذلك لست أنكر على الأندلسيين ذكاءهم وتوقدهم، وأنهم - كما رأيت وكما وصفوا لي - «عرب في العزة والأنفة، وعلو الهمة، وفصاحة الألسن، وإباء الضيم، والسماحة بما في أيديهم، والنزاهة عن الخضوع والاستخذاء، هنديون في فرط عنايتهم بالعلوم ورغبتهم فيها وضبطهم لها، بغداديون في نظافتهم وظرفهم، ورقة أخلاقهم، وذكائهم، وجودة قرائحهم، ولطافة أذهانهم، ونفوذ خواطرهم، يونانيون في استنباطهم للمياه، ومعاناتهم لضروب الغراسات، واختيارهم لأجناس الفواكه، وتدبيرهم لتركيب الشجر، وتحسينهم للبساتين بأنواع الخضر، وصنوف الزهر، صينيون في إتقان الصنائع العملية، وإحكام المهن الصورية، تركيون في معاناة الحروب، والحذق بالفروسية، والبصر بالطعن والضرب.»

كبرت حول ديارهم لما بدت

منها الشموس وليس فيها المشرق •••

ولو أبصروا ليلى أقروا بحسنها

وقالوا بأني في الثناء مقصر

وهنا انبعث أبو عبد الله الصقلي الفيلسوف وقال ما تلخيصه: الذي أراه أن شعراء كل قطر من الأقطار أو جيل من الأجيال لا بد من أن يتأثروا بالمحيط الذي يحيط بهم، وأن يصطبغ شعرهم بصبغة ما يرون ويحسون من حولهم؛ فالشاعر الجاهلي أو المتبدي في الجاهلية والإسلام الذي لا تقع عينه إلا على صحراء مقفرة، أو سماء ماطرة، أو وحش كاسر، أو غزال نافر، لم ير ريفا، ولم تغذه رقة الحضر، ولم يشبع من طعام، قد خالط الغيلان، وأنس بالجان، وأوى القفر واليرابيع والظباء، فإنه حري أن لا يقول إلا في جنس ما هو بسبيله من وصف البيد والمهامه والظبي والظليم والناقة والجمل وما إلى ذلك، في قول مونق مشرق واضح الطريقة، لا تعمل فيه ولا كلفة، يوائم أمزجتهم وطبائعهم، ويلائم المحيط الذي فيه عاشوا، والجو الذي فيه درجوا، والفطرة الأولى التي فطروا عليها، والسذاجة التي هي من خاص صفاتهم. وقد يكون لهم مع ذلك الحكمة البارعة، والكلمة الرائعة، والمثل السائر، والموعظة الحسنة مما يبهر أعرق المتحضرين، ويصيب منهم أقصى غايات الإعجاب والإكبار، ولكنه الوحي والإلهام الذي تلهمه الفطرة القوية النقية البريئة، ويؤتي الطبيعة الكريمة ما يؤتي سهوا رهوا، وليس هو بنتاج العقل المسموع، ولا بثمار الملكات المكتسبة.

وبعد، فأما المولدون - وهم الذين تصح المفاضلة بينهم وبين شعراء المغرب؛ لأنهم جميعا تحضروا وعاشوا في رونق النعيم، واعتركوا بالدنيا واعتركت بهم - فالرأي عندي أن يقال: إن الشعر لفظ ومعنى، فأما اللفظ فإن شعراء المشرق - لأن أكثرهم جاور الأعراب وأهل البادية، ولقنوا اللغة منهم، والتصقوا بهم، ونشئوا في أحضانهم، وغذوا بلبانهم - ترى لهم الألفاظ المتخيرة، والديباجة الكريمة، والطبع المتمكن، والسبك الجيد، وكل كلام له ماء ورونق، وترى شعرهم رصينا متسقا على استواء واحد، لا يتدافع من جهاته، ولا يتعارض من جوانبه، ولا يجمح ولا يشتط، ولا يأتيه الضعف والهلهلة والاسترخاء من أية ناحية من نواحيه. وأما المعنى، فإن فحولة شعراء المشرق الذين افتنوا في المعاني افتنانا، وغاصوا عليها وأمعنوا حتى ظفروا بكل معنى عجيب يعمر الصدر، ويذكي الروح، ويشع في دنا العقل، فتنجاب له ظلمته، وتنير نواحيه، وتنفتح مغالقه؛ مثل بشار بن برد، وأبي نواس، وابن الرومي، وهذه الطبقة؛ فهم إنما بلغوا هذه الدرجة لأنهم من الموالي أبناء تلك الأمم الحمراء الذين امترسوا بالحضارة قبل العرب امتراسا، وعالجوها وعالجتهم، وداوروا صنوفها من الصناعات والعلوم وما إليها، وصرفوا فيها أعنة الفكر، وقدحوا لها زناد الرأي، وهلم حتى أنمى ذلك على كر الغداة ومر العشي عقولهم، وشحذ أذهانهم، وأذكى أرواحهم، وأكسبهم ملكات عبقرية عجيبة، فورث ذلك منهم أبناؤهم، وانحدر مع دمائهم، وكان منهم هذا النبوغ الذي نرى آثاره في السلام.

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديع · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديعص ٣٠