وبعد أن أقمنا في المرية ثلاثة أيام بلياليها، تحملنا منها في ركب فخم نبيل موف على الغاية في الأبهة والروعة والجلال، قاصدين إلى قرطبة حضرة هذه البلاد، وكان في طليعة الركب أمير البحر عبد الرحمن بن رماحس؛ إذ أمره سيدي الحكم ابن أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر وولي عهده - كما أسلفنا - أن يتلقانا في وفد من وجوه الأندلسيين، ويجيء معنا إلى قرطبة مبالغة من الأمير - حفظه الله - في الاحتفاء بنا، وبأبي علي القالي البغدادي، وبأبي عبد الله الصقلي الفيلسوف الذي وصل إلى المرية قبل انفصالنا عنها، وكان في الركب من الأندلسيين الرمادي الشاعر، وأبو بكر بن القوطية، وأبو بكر الزبيدي، وكثير من أدباء الأندلس وأعيانها.
وقد بهرنا وسحر أعيننا وملك علينا ألبابنا ما رأيناه في طريقنا من استبحار العمران في هذا القطر الأندلسي؛ فقد كنا نمر في اليوم الواحد بثلاث مدن وأربع، وفي حيثما سرنا نرى الحوانيت في الأودية ورءوس الجبال؛ لبيع الخبز والفواكه والجبن واللحم والحوت وما إلى ذلك من ضروب الأطعمة، وكنا نتعثر تعثرا بالجداول والأنهار تحفها البساتين وصنوف الزرع والنجوم والأشجار؛ حتى لظننا أنه ليس في هذه البلاد صحراء مقفرة أو أرض غامرة.
يا أهل أندلس لله دركم
ماء وظل وأنهار وأشجار
ما جنة الخلد إلا في دياركم
ولو تخيرت هذا كنت أختار
لا تختشوا بعد ذا أن تدخلوا سقرا
فليس تدخل بعد الجنة النار
أما القرى والمعاقل والحصون فإنها لا تحصى كثرة، وقراها جميلة لتأنق أهلها في أوضاعها وتبييضها؛ لئلا تنبو العين عنها.
لاحت قراها بين خضرة أيكها
كالدر بين زبرجد مكنون
وأكثر مدنها مسور من أجل الاستعداد للعدو، وفي مدنها لذلك ما يبقى في محاربة العدو ما يربي على عشرين سنة؛ لامتناع معاقلها، ودربة أهلها على الحرب.
وكنا في طريقنا نتذاكر الأدب، ونتناشد الأشعار، ونخوض في ضروب من الحديث، لا علينا إذا نحن أوردنا شيئا منها في هذه الرسالة؛ فمن ذلك أن أبا علي قال من كلمة له: «لما مررت بالقيروان وأنا أعتبر من أمر به من أهل الأمصار، فأجدهم درجات في العبارات وقلة الفهم بحسب تفاوتهم في مواضعهم منها بالقرب والبعد، كأن منازلهم من العلم محاصة ومقايسة، فقلت: إن نقص أهل الأندلس عن مقادير ما رأيت في أفهامهم بقدر نقصان هؤلاء عمن قبلهم؛ فسأحتاج إلى ترجمان في هذه الأوطان، ولكن لما جئت إلى هنا قضيت عجبا من أهل هذا الأفق الأندلسي في ذكائهم.»
24
ومن ثم كنا نراه
25
يتغطى عن الأندلسيين عند المباحثة والمناظرة ويقول لهم: «إن علمي علم رواية وليس علم دراية، فخذوا عني ما نقلت؛ فلم آل لكم أن صححت.»
26
ثم فرط منه قول ذهب فيه إلى تفضيل شعراء المشرق على شعراء المغرب، فانتدب له أحد الأدباء ممن كانوا في هذا الركب، وقال: «إن أهل الأندلس أشعر الناس فيما كثره الله تعالى في بلادهم، وجعله نصب أعينهم من الأشجار والأنهار والطيور والكئوس، لا ينازعهم أحد في هذا الشان. أما إذا ذهب نسم، ودار كأس في كف ظبي رخيم، ورجع بم وزير.
27
وصفق للماء خرير، أورقت العشية، وخلعت السحب أبرادها الفضية والذهبية، أو تبسم عن شعاع ثغر نهر، أو ترقرق بطل جفن زهر، أو خفق بارق، أو وصل طيف طارق، أو وعد حبيب فزار من الظلماء تحت جناح، وبات مع من يهواه كالماء والراح، إلى أن ودع حين أقبل رائد الصباح، أو أزهرت دوحة السماء بزهر كواكبها، أو قوضت عند فيض نهر الصباح بيض مضاربها، فأولئك هم السابقون السابقون، الذين لا يجارون ولا يلحقون، وليسوا بالمقصرين في الوصف إذا تقعقعت السلاح، وسالت خلجان الصوارم بين قضبان الرماح، وبنت الحرب من العجاج سماء، وأطلعت شبه النجوم أسنة، وأجرت شبه الشفق دماء. وبالجملة فإنهم في جميع الأوصاف والتخيلات أئمة، ومن وقف على أشعارهم في هذا الشأن فضلهم فيه على أصناف الأمة.» فقال أبو علي: