وما كاد أبو عبد الله يتم قولته تلك حتى صاح أبو بكر ابن القوطية وقال: أشيخنا شعوبي؟
29
فقال أبو عبد الله: إني وإن كنت لا أرى لعربي فضلا على أعجمي إلا بالتقوى، وأن تفاضل الناس فيما بينهم ليس بآبائهم ولا بأحسابهم، ولكنه بأفعالهم وأخلاقهم، وشرف أنفسهم، وبعد هممهم؛ فمن كان دنيء الهمة ساقط المروءة لم يشرف، وإن كان من بني هاشم في ذؤابتها، ومن أمية في أرومتها، وقيس في أشرف بطن منها؛ ومن ثم يقول الله جل شأنه:
إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير ، ويقول رسول الله في خطبة الوداع: «أيها الناس، إن الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها بالآباء؛ كلكم لآدم، وآدم من تراب. ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى.» فإني مع هذا أقول ما قاله ابن المقفع وقد سأل جماعة من أشراف العرب: أي الأمم أعقل؟ فنظر بعضهم إلى بعض وقالوا: لعله أراد أصله من فارس، فقالوا: فارس، فقال: ليسوا بذلك؛ إنهم ملكوا كثيرا من الأرض، ووجدوا عظيما من الملك، وغلبوا على كثير من الخلق، ولبث فيهم عقد الأمر، فما استنبطوا شيئا بعقولهم، ولا ابتدعوا باقي حكم في نفوسهم، قالوا: فالروم، قال: أصحاب صنعة، قالوا: فالصين، قال: أصحاب طرفة، قالوا : الهند، قال: أصحاب فلسفة، قالوا: السودان، قال: شر خلق الله، قالوا: الخزر، قال: بقر سائمة، قالوا: فقل، قال: العرب، فضحكوا، فقال: «أما إني ما أردت موافقتكم، ولكن إذ فاتني حظي من النسبة فلن يفوتني حظي من المعرفة. إن العرب حكمت على غير مثال مثل لها، ولا آثار أثرت، أصحاب إبل وغنم، وسكان شعر وأدم، يجود أحدهم بقوته، ويتفضل بمجهوده، ويشارك في ميسوره ومعسوره، ويصف الشيء بعقله، فيكون قدوة، ويفعله فيصير حجة، ويحسن ما يشاء فيحسن، ويقبح ما يشاء فيقبح، أدبتهم نفوسهم، ورفعتهم هممهم، وأعلتهم قلوبهم وألسنتهم، فلم يزل حباء الله فيهم، وحباؤهم في أنفسهم، حتى رفع لهم الفخر، وبلغ بهم أشرف الذكر، وختم لهم بملكهم الدنيا على الدهر، وافتتح دينه وخلافته بهم إلى الحشر، على الخير فيهم ولهم، فقال:
إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، فمن وضع حقهم خسر، ومن أنكر فضلهم حسر، ودفع الحق باللسان أكبت للجنان.»
بيد أن العرب لم يكن لهم بادئ ذي بدء دراية بالحرف والصناعات، وبالعلوم وتعلمها الذي هو في عداد الصناعات؛ وذلك لمكانهم من البداوة ورسوخ أقدامهم فيها؛ ومن ثم كانت الشريعة الإسلامية - إذ كان القوم أكثرهم أميين - تتناقل في صدورهم، وجرى الأمر على ذلك أزمان الصحابة والتابعين، فلما بعد النقل من دولة الرشيد فما بعد احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية، وتقييد الحديث مخافة ضياعه، ثم كثر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب والسنة، وفسد مع ذلك اللسان فاحتيج إلى وضع القوانين النحوية، وصارت العلوم الإسلامية ذات ملكات محتاجة إلى التعليم فاندرجت في جملة الصنائع، وهو معلوم أن الصنائع من منتحل الحضر، والعرب أبعد الناس عنها، والحضر لذلك العهد هم العجم أو من في معناهم من الموالي، فكان صاحب صناعة النحو سيبويه، ثم الفارسي من بعده، ثم الزجاج، وكلهم عجم في أنسابهم، وكذا حملة الحديث وعلماء أصول الفقه وعلماء الكلام والمفسرون، وأكثر فقهاء الأمصار؛ مثل الحسن بن أبي الحسن ومحمد بن سيرين؛ فقيهي البصرة، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وسليمان بن يسار؛ فقهاء مكة، وزيد بن أسلم، ومحمد بن المنكدر، ونافع بن أبي نجيح؛ فقهاء المدينة، وربيعة الرأي وابن أبي الزناد؛ فقهاء قباء، وطاوس وابن منبه؛ فقيهي اليمن، وعطاء بن عبد الله؛ فقيه خراسان، ومكحول؛ فقيه الشام، والحكم بن عتيبة وعمار بن أبي سليمان؛ فقيهي الكوفة، وهلم. وبالجملة، لم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم، وظهر بذلك مصداق قوله