1
قلبا ولبا، وتركني لا أفكر إلا فيه، ولا أتشاغل إلا به.
فلو أن لي تسعين قلبا تشاغلت
جميعا فلم يفزع إلى غيره قلب
وكذا مصير كل من يمتهن الأدب في الصحف، وبخاصة إذا كان هو صاحب تلك الصحيفة، له غنمها، وعليه غرمها، ببلد سقط فيه نجم الآداب الرفيعة، وطاش سهمها، وقديما قيل لحكيم: إن فلانا رجل عاقل، فقال: هل هو متزوج؟ فقيل له: نعم، فقال: إذن ذهب عقله! وعلى هذا القياس لو قيل لي: إن فلانا فيلسوف أو عالم أو أديب، لقلت: هل هو صاحب مجلة في مصر؟ فإذا قيل: نعم، قلت: إذن ذهب والله في الذاهبين ... فإنه إذا كان المتزوج يجد من هم واحدة وما يكون منها ما لا يدعه لهم نفسه، فيذهب بذلك عقله أو بعض عقله، فإن صاحب المجلة يصيبه هم المئات إلى الألوف ممن يقرءون ولا يفون بحق ولا عهد، فهو ينفق من نفسه وما أعده لنفسه، وهم يمحقونه محقا حتى ينقص بهم على زيادتهم، ويقل على كثرتهم، ولا يزال ذلك شأنهم وشأنه لا هو يتركهم وعليهم حقه، ولا هم يدعونه في غير هذه الحالة، وبذلك يذهبون بفلسفته وعلمه وأدبه مذاهب العقم، ويبلونه بالاغتمام، ولا عقل مع غم، ولا قلب مع هم، فذهب - إذن - والله صاحب المجلة، وكان من ضياع العقل في وزن من تزوج، لا بزوجة واحدة، بل بألف زوجة ...
وبعد، فهذا هذا، وفي هذه الآونة؛ في هذه الفترة التي احتجب فيها البيان، والتي وجدت فيها نفسي. جرى بيني وبين أحد أفاضلنا يوما حديث أفضى إلى ذكر هذا الكتاب، وأنست من هذا الفاضل رغبة حارة صادقة في تمامه، وطبع ما تم منه إلى الآن، في الأقل، على حدة، فكان جواب الفعل أسبق من جواب القول، وقدمت هاتين الرسالتين إلى المطبعة على أن أردفهما قريبا - إن شاء الله - بالرسائل الثلاث الباقية. وهاتان الرسالتان يكادان يكونان كتابا مستقلا يصح أن ينزلا من الرسائل التالية منزلة مدخل الكتاب من الكتاب.
والآن يجمل بنا أن نقدم بين يدي الناظر في كتابنا هذا تنبيهات، يخلق به أن يلحظها، ويتنبه عليها؛ وإليكها:
1
يلحظ قارئ هذه الرسائل في بعض المواطن شيئا يشبه أن يكون حشوا، أو زيادة، أو فضولا، أو شططا ، أو خروجا عن الموضوع، أو ما شئت سمه؛ وذلك مثل كلامنا على الخمر (انظر فصل صقلية)، وكلامنا على حب الوطن (انظر فصل صقلية)، فليعلمن القارئ أنا لو قصرنا كلامنا في هذه الرسائل على البحث التاريخي البحت، دون تطريتها بمثل هذه المعاني الغضة اللينة المستطرفة، التي تستروح إليها النفوس، وتريح على القارئ عازب نشاطه؛
2
لجاءت كزة جافة ثقيلة مملة. وليس للكاتب اليوم في أي باب من أبواب العلم والأدب منتدح عن أن يداور القارئ على القراءة ويراوغه،
3
ويحتال بكل ضروب الحيل التي تغريه بالقراءة، وتشوقه إلى الاطلاع ما دامت الرءوس كأن بها خبالا، والنفوس كأن بها دائما ملالا؛ على أنه إذا كان الغرض الذي نترامى فيه
4
بهذه الرسائل هو وصف حضارة العرب، فلماذا لا نهتبل هذه الفرصة ونتصدى - ما وجدنا إلى ذلك سبيلا - لكل معنى من معاني هذه الحضارة، ومبلغ ما وصل إليه العرب في هذا المعنى؛ ومن ثم لم نتعرض لمثل ما تعرضنا عبثا، وإنما لنصف لك كل ألوان الحضارة العربية على اختلافها أولا وبالذات، ولننفي عن القارئ ما عساه يلم بساحته من السأم والملال ثانيا وبالعرض.
2
قد يلمح القارئ من أسلوب هذه الرسائل وطريقة الوصف والتفكير فيها مسحة من روح جيلنا، ويراها مصطبغة بصبغة عصرنا؛ وهذا وإن لم يكن في مكنتنا اجتنابه - لأنا؛ ضرورة كوننا من أبناء هذا الجيل وامتزاج روحه منا بالدم واللحم، لا نستطيع الخروج عن كياننا - إلا أنه مع ذلك نكاد نكون قد قصدنا إليه قصدا؛ لأنه يدخل في باب التطرية التي لا بد منها؛ نفيا للملل الذي قد يعرو القارئ إذا نحن توخينا أسلوب تلكم العصور توخيا تاما؛ ولأنه لولا ذلك لما كان ثمت فرق بين هذه الرحلة وبين رحلة قديمة يضعها رحالة حقيقي في هاتيك العصور؛ بيد أنا مع ذلك قد احتفظنا جهد الاستطاعة باصطلاحات العرب في أسماء الأعلام والبلدان والأقطار والممالك، وما إلى ذلك، مع قرنها بأسمائها التي تعرف بها اليوم؛ إما في هامش الرسائل، وإما في صلبها بين أقواس.