تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18

يرمى بها النفط المشتعل على الأعداء - وهم يعملون الحراقة في صورة الأسد، وفي صورة الفيل، وفي صورة العقاب، وفي صورة الحية، وفي صورة الفرس، كتلك الحراقات التي كانت للأمين رشيد، والتي يقول فيها الحسن بن هانئ:

سخر الله للأمين مطايا

لم تسخر لصاحب المحراب

فإذا ما ركابه سرن برا

سار في الماء راكبا ليث غاب

أسدا باسطا ذراعيه يعدو

أهرت الشدق كالح الأنياب

لا يعانيه باللجام ولا السو

ط ولا غمز رجله في الركاب

عجب الناس إذ رأوه على صو

رة ليث يمر مر السحاب

إلى أن قال يصف هذه المطايا:

تستبق الطير في السماء إذا ما

استعجلوها بجيئة وذهاب

ذات سور ومنسر وجناحين

تشق العباب بعد العباب

وكحراقة طاهر بن الحسين التي يقول فيها بعض الشعراء:

عجبت لحراقة ابن الحسين

لا غرقت، كيف لا تغرق

وبحران: من فوقها واحد

وآخر من تحتها مطبق؟

وأعجب من ذاك أعوادها

وقد مسها كيف لا تورق؟

أما الطرائد،

19

فهي السفن التي تحمل الخيل للأسطول، وأكثر ما يكون فيها أربعون فرسا، والقراقير

20

فهي السفن الكبيرة التي تحمل الزاد والكراع والمتاع، والفلائك والقوارب والشلنديات،

21

فهي من توابع الأسطول كالطرائد والقراقير.

أما عدد الأساطيل وآلاتها ومعداتها وأسلحتها، فهي الرماح والعصي والتراس والزرد والدرق والخوذ والمنجنيقات والعرادات.

وقد رأيت الأندلسيين يستعملون في حروبهم البحرية النار اليونانية، وهي مزيج من الكبريت وبعض الراتنجات والأدهان في شكل سائل، يطلقونه من أسطوانة نحاسية مستطيلة يشدونها في مقدم السفينة، فيقذفون منها السائل مشتعلا، أو يطلقونه بشكل كرات مشتعلة، أو قطع من الكتان الملتوت بالنفط، فيقع على السفن فيحرقها حرقا. ومن غريب هذه النار أنها تشتعل في الماء والهواء كالنفط. وقد رأيتهم كذلك يستظهرون بالبارود الذي يسمونه «الثلج الهندي» - ونحن لم نسمع بأمة من الأمم اهتدت إلى هذا «الثلج الهندي» قبلهم

22 - ذلك إلى معدات أخرى لا أظنهم قد سبقوا إليها أرانيها الأمير ابن رماحس في الشونة التي كنا نشاهد منها حركات الأسطول، مثل التوابيت المعلقة فوق البروج، وهي صناديق كبيرة مفتوحة من أعلاها يصعد إليها الرجال قبل استقبال العدو، فيقيمون فيها للاستكشاف ومعهم حجارة صغيرة في مخلاة معلقة بجانب الصندوق، فيرمون العدو بها وهم مختبئون في هذه الصناديق، ومعهم عدا الحجارة قوارير النفط وجرار النورة، وهي مسحوق ناعم مؤلف من الكلس والزرنيخ يرمون به الأعداء في مراكبهم، فتعمي أبصارهم بغبارها، وقد تلتهب فيهم التهابا.

وقد رأيتهم وهم يرمونهم أيضا بقدور الحيات والعقارب، وبقدور الصابون اللين كي يزلقوا أقدامهم. ومن حيلهم التي يتخذونها وقاء لهم من أعدائهم أنهم يحيطون المراكب بالجلود، أو اللبود المبلولة بالخل والماء، أو الشب والنطرون؛ كي لا يفعل النفط فيها فعله، ومن حيلهم أنهم يجعلون في مقدم المركب هناة كالفأس يسمونها اللجام؛ وهي حديدة طويلة محددة الرأس ، وأسفلها مجوف كسنان الرمح، تدخل من أسفلها في خشبة كالقناة بارزة في مقدم المركب يقال لها: «الأسطام»، فيصير اللجام كأنه سنان رمح بارز في مقدم المركب، فيطعنون مركب العدو به، فلا يلبث حتى ينخرق فينصب فيه الماء فيغرق، ومن تلك الحيل أنهم إذا جن الليل لا يشعلون في مراكبهم نارا، ولا يتركون فيها ديكا، وقد يسدلون على المراكب قلوعا زرقاء، فلا يرى العدو مراكبهم التي يشبه لونها لون الماء أو السماء. فسبحان الملهم من يشاء ما يشاء، ويخلق ما لا تعلمون، لا إله غيره.

أما رئاسة الأساطيل فقد جعلوا على كل أسطول قائدا ورئيسا؛ فالقائد يدبر أمر سلاحه وحربه ومقاتلته، والرئيس يدبر أمر جريه بالريح أو المجازيف، ومعرفة مسالك البحر وطرقه بواسطة الرهنامج

23

وبيت الإبرة، التي هي من مبتكراتهم ولم يسبقهم إليها سابق فيما علمنا. أما النظر في الأساطيل كلها، فيرجع إلى أمير واحد من أعلى طبقات المملكة يلقبونه أمير البحر أو أمير الماء.

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديع · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديعص ٢٨