ومن سننهم التي مضوا عليها، وجرت عادتهم بها أن يحتفلوا بالأسطول عند رجوعه ظافرا من حرب، فتقوم الأساطيل بألعاب وحركات بمرأى من عظماء الدولة ومسمع، كأنها في حرب مع الأعداء، فاتفق في اليوم الذي وصلنا فيه إلى المرية أن آب الأسطول الأندلسي رافعا أعلام النصر في هذه الواقعة، فأمر أمير البحر عبد الرحمن بن رماحس بأن تقوم الأساطيل بألعابها، فما كان منا إلا أن بادرنا إلى إمتاع أنفسنا بمشاهدة هذه الألاعيب صحبة الأمير، فذهبنا إلى الميناء «ميناء المرية»، فوجدنا ثمت في انتظارنا مركبا كبيرا كأنه رضوى أو ثبير أو الأمل الكبير، فدعينا إلى النزول فيه، ثم أخذ الأمير ابن رماحس في أن يرينا ما في هذا المركب من بروج وقلاع ومناظر وتوابيت، ومن منجنيقات ومكاحل بارود ونفط، ومن نوتية، ومن مقاتلة وأسلحة، وهلم مما قضينا منه عجبا. وهذا المركب نوع من الأنواع التي يتألف منها الأسطول يسمى «الشواني»، الواحد منه «شونة»، وبعد ذلك أخذ هذا المركب يسير بنا الهوينى في اختيال، مترجحا ذات اليمين وذات الشمال، كأنه عروس مجلوة يرفرف عليها روح الجمال والجلال. وبعد أن سار بنا في البحر شيئا، وقف حيث نشاهد حركات الأسطول وألاعيبه، وكان الشاطئ ساعتئذ قد غص بالنظارة من كل صنف من أصناف الناس، والزوارق قد انتثرت على متن البحر من جميع النواحي، وفيها ما لا يعلم عديدهم إلا الله من الأندلسيين والأندلسيات؛ كي يشاهدوا حركات الأسطول، فكان لذلك منظر تحسر دونه الظنون، وتتراجع دون إدراكه الأوهام؛ منظر يبهر رواؤه الفكر، ويشيع الروعة في الصدر، وينتقل من هذا العالم إلى عالم آخر كأنه الخلود.
مجال أسود وملهى سفين
فيا طيب لهو ويا منظر
ويا حسن دنيا ويا عز ملك
يسوسهما السائس الأكبر
ثم بصرنا بعد ذلك بالأساطيل على اختلاف ضروبها وقد أخذت بصورة شيطانية في ألاعيبها، فإذا رأيت ثم رأيت كنائن،
13
غير أنها تمرق مروق السهام، ورواكد
14
هي مدائن، بيد أنها تمر مر السحاب غير الجهام،
15
وأطيارا، إلا أنها جوارح لا تصيد إلا الأرواح، وأفراسا في سرعة البرق اللامح، سوى أنها ذات دسر وألواح.
تتخاذل الألحاظ في إدراكها
ويحار فيها الناظر المتأمل
فكأنها في اللطف فهم ثاقب
وكأنها في الحسن حظ مقبل •••
فيا للجواري المنشآت وحسنها
طوائر بين الماء والجو عوما
إذا نشرت في الجو أجنحة لها
رأيت به روضا ونورا مكمما •••
ذات هدب من المجاذيف حاك
هدب باك لدمعه إسعاد
حمم فوقها من البيض نار
كل من أرسلت عليه رماد •••
ملأ الكماة ظهورها وبطونها
فأتت كما يأتي السحاب المغدق
عجبا لها ما خلت قبل عيانها
أن يحمل الأسد الضواري زورق •••
زأرت زئير الأسد وهي صوامت
وزحفن زحف مواكب في زورق •••
ترمي ببروج إن ظهرت
لعدو مخرقة بطنا
وبنفط أبيض تحسبه
ماء وبه تذكي السكنا
16
وما زالت الأساطيل تلعب كأنها في سوح القتال من لدن ذر قرن الشمس إلى أن جاء وقت الزوال.
وهنا يجمل بنا أن نجمل لك القول على أنواع السفن التي يتألف منها الأسطول الأندلسي وعددها وآلاتها،
17
فمن تلك الأساطيل نوع يقال له: «الشواني»، جمع الشونة أو الشيني كما مر بك آنفا، وهي أجفان حربية كبيرة تقام فيها الأبراج والقلاع للدفاع والهجوم، وأبراجها ذات طبقات مربعة؛ فالطبقة العليا منها تقف فيها الجنود المسلحة بالقسي والسهام، وفي الطبقة السفلى الملاحون الذين يجذفون بنحو من مائة مجذاف، ويتراوح ما تحمله الشونة من المقاتلة ما بين المائة والخمسين وبين المائتين. وتجهز الشواني وقت الحرب بالسلاح والنفطية والأزودة، بله الجنود البحرية. ومن أنواع الأسطول نوع يعرف «بالبوارج»، جمع البارجة، وهو أكبر من الشواني، ومثله نوع يقال له: المسطحات، ومن هذه الأساطيل نوع يقال له: «الحراقات»، جمع الحراقة، وهي مراكب حربية كبيرة قرابة الشواني، بيد أن هذه تنماز عن تلك بالمنجنيقات، وتلك عن هذه بالقلاع، فتراهم يحملون في الحراقة مكاحل البارود والعرادات والمنجنيقات