ولما أرسى مركبنا والمركب الذي يقل أبا علي القالي على ميناء المرية، قدم لنا ابن رماحس جميع رجال الوفد الأندلسي وعرفنا بهم، ثم امتطينا المطايا الفارهة وذهبنا إلى دار ابن رماحس الكائنة في قصبة هذه المدينة.
ولما استقر بنا النوى، وألقينا عصا التسيار، وانتظم شملنا في تلك الدار، أخذ الرمادي الشاعر ينشدنا أبياتا له في إسماعيل بن عيذون القالي يمتدحه بها،
3
علق بالذاكرة منها هذه الأبيات:
من حاكم بيني وبين عذولي
الشجو شجوي والعويل عويلي
في أي جارحة أصون معذبي
4
سلمت من التعذيب والتنكيل
إن قلت: في بصري، فثم مدامعي
أو قلت: في قلبي، فثم غليلي
لكن جعلت له المسامع موضعا
وحجبتها عن عذل كل عذول
إلى أن يقول متخلصا بعد أن وصف الروض:
روض تعاهده السحاب كأنه
متعاهد من عهد إسماعيل
قسه إلى الأعراب تعلم أنه
أولى من الأعراب بالتفضيل
حازت قبائلهم لغات فرقت
فيهم وحاز لغات كل قبيل
فالشرق خال بعده وكأنما
نزل الخراب بربعه المأهول
فكأنه شمس بدت في غربنا
وتغيبت عن شرقهم بأفول
يا سيدي هذا ثنائي لم أقل
زورا ولا عرضت بالتنويل
من كان يأمل نائلا فأنا امرؤ
لم أرج غير القرب في تأميلي
وبعد ذلك أخذنا في ضروب من الحديث أفضت في نهايتها إلى حادث كدر علينا صفاءنا، وذلك أن أبا علي أخذ ينثر على الحفل درر أدبه، فكان من بين ما جاء في حديثه أدب عبد الملك بن مروان، وأنه قال يوما لجلسائه: أي المناديل أشرف؟ فقال قائل: مناديل مصر كأنها غرقئ البيض،
5
وقال آخر: مناديل اليمن كأنها نور الربيع، فقال عبد الملك: ما صنعتما شيئا، أفضل المناديل مناديل أخي بني سعد عبدة بن الطيب إذ يقول:
لما نزلنا نصبنا ظل أخبية
وفار للقوم باللحم المراجيل
6
ورد وأشقر
7
ما ينئيه طابخه
8
ما غير الغلي منه فهو مأكول
ثمت قمنا إلى جرد مسومة
9
أعرافهن لأيدينا مناديل
وأنشد القالي الكلمة في البيت: «أعرافها لأيدينا مناديل»، فما كان من الأديب ابن رفاعة الألبيري - وقد لاحظنا في خلقه حرجا وزعارة
10 - إلا أن استعاد أبا علي البيت متثبتا مرتين، في كلتيهما ينشد: «أعرافها»، فقام ابن رفاعة وقال: مع هذا يوفد على أمير المؤمنين وتتجشم الرحلة لتعظيمه، وهو لا يقيم وزن بيت مشهور بين الناس لا تغلط الصبيان فيه. والله لا تبعته خطوة، ثم هم بالانصراف، فندبه الأمير ابن رماحس أن لا يفعل، فلم يجد فيه حيلة، فاضطر ابن رماحس إلى أن يكتب إلى الحكم يعرفه ويصف له ما جرى من ابن رفاعة ويشكوه، فجاء جواب الحكم إلى ابن رماحس بما نصه - كما أطلعني عليه ابن رماحس:
الحمد لله الذي جعل في بادية من بوادينا من يخطئ وافد العراق إلينا، وابن رفاعة أولى بالرضى عنه من السخط، فدعه لشأنه، وأقدم بالرجل غير منتقص من تكريمه؛ فسوف يعليه الاختبار - إن شاء الله - أو يحطه.
11
الأسطول الأندلسي وروح العظمة التي ترفرف عليه
أسلفنا لك في الرسالة الأولى من هذه الرسائل شيئا من القول، قد يكون مغنيا في معنى الأسطول وأثره الصالح في الدولة التي تعنى به، وأن الدولة الفاطمية في أفريقية والدولة الأموية في الأندلس؛ لهذا السبب بعينه، ولأن بلادهما واقعة على سيف البحر الرومي (البحر الأبيض المتوسط) وبحر الظلمات (المحيط الأطلانطي) قد بذتا سائر الدول في العناية بالأساطيل؛ حتى قبضتا بها على أعنة البحار، واستوتا
12
على ما فيه من جزائر وأقطار، وآضتا بذلك، وآضت رعاياهما سادة البر والبحر؛ بل ذل الزمان لهم، ولانت أعطاف الدهر. وهذا هو الذي أرهج بين هاتين الدولتين بالفساد، وأرسل بينهما عقارب الأحقاد، وأثار بينهما نقع الحرب والجهاد؛ حتى لا تكاد الحروب بين الدولتين ينطفئ لهيبها، فتراهما للتافه من الأسباب يجردان الجيوش بعضهما على بعض، وتتلاقى أساطيلهما مصرحة بالشر ، ولعلك لم تنس بعد حادثة هذا المركب الأندلسي الذي قمنا فيه من الإسكندرية، وأنه تحرش وهو ذاهب إلى المشرق بمركب للمعز لدين الله الفاطمي، وأخذ ما فيه من بريد وبضائع، فما كان من المعز إلا أن أرسل أسطولا كبيرا إلى مربض الأسطول الأندلسي في المرية، كما أخبرنا بذلك ونحن في هذا البلد - فعاث فيه عيثا، وألحق به وبالمرية ما أرضاه، ونقع غلته، وأطفأ لهيبه، فلم يسع أمير المؤمنين عبد الرحمن الناصر إلا الانتقام من المعز، فأمر بتجريد الأسطول، وحشد المقاتلة، والذهاب إلى أفريقية، فذهب إليها تحت إمرة حاجبه الوزير أحمد بن عبد الملك بن شهيد أسطول كبير يقل عددا عظيما من رجالات الحرب، فعاج أولا على مدينة وهران، وجمع من فرسان الأندلس المحتلين بلاد المغرب نحوا من خمسة وعشرين ألف فارس، ثم هجم بالرجلان والفرسان على أفريقية، ودارت بينه وبين رجال المعز رحى الحرب، فهزم الأندلسيون قبائل صنهاجة وكتامة - وكان يتألف منها السواد الأعظم من جيش الأفارقة - واقتفوا آثارهم حتى بلغوا ضواحي تونس - وهي غنية بتجارتها الواسعة، يسكنها كثير من تجار اليهود الأغنياء - فحصروها برا وبحرا، وألحوا في الحصر، فلما رأى أهلوها أن الخطر محدق بهم عرضوا أن يسلموهم المدينة، وقدموا مبلغا كبيرا من المال إلى الحاجب ابن شهيد، وقدموا إليه كذلك أنسجة من كل نوع، وطرفا من الحلي، وذهبا، وحجارة كريمة، وملابس من الصوف والحرير، وأسلحة وخيلا وعددا عظيما من الأرقاء، ثم غنم عدا ذلك سفن الميناء وأثقالها، وضمها إلى سفنه، وكر راجعا إلى الأندلس.