تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وما زالت الخمر تغتالنا

وتذهب بالأول الأول

وما ألطف قول بعض الظرفاء وقد ترك النبيذ فقيل له: كيف تتركه وهو رسول السرور إلى القلب؟! فقال: نعم، ولكنه بئس الرسول يبعث إلى القلب فيذهب إلى الرأس. ويشبه ذلك قول المجنون لملك من الملوك وقد استظرفه واختار أن يكون نديما له، وعرض عليه الشراب، فقال المجنون: أيها الملك، أنت تشرب هذا لتصير مثلي، وأنا أشربه لأصير مثل من؟! وقال عبد العزيز بن مروان لنصيب الشاعر يوما: هل لك فيما يثير المحادثة - يريد المنادمة - قال: أصلح الله الأمير، الشعر مفلفل، واللون مرمد، ولم أقعد إليك بكرم عنصر، ولا بحسن منظر، وإنما هو عقلي ولساني، فإن رأيت ألا تفرق بينهما فافعل. وقيل لأعرابي: لم لا تشرب؟ فقال: لا أشرب ما يشرب عقلي.

وناهيكم بعد ذلك بما يستتبعه إدمان الشراب من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ومن السكر والعربدة، وإيقاع العداوة والبغضاء والموجدة، ومن تقبيح الحسن وتحسين القبيح، وإغرائه بالفسوق، وتعدي حدود الله وقلة الاكتراث لها. وصدق رسول الله

صلى الله عليه وسلم

إذ يقول: لا يشرب الشارب حين يشرب وهو مؤمن. ولقد مرت أعرابية بقوم يشربون نبيذا فسقوها، فلما شربت أقداحا اعترتها أريحية، فقالت: أيشرب هذا نساؤكم؟ قالوا: نعم، قالت: إذن زنين ورب الكعبة؛ فما يدري أحدكم من أبوه!

ولأصحاب الشراب ولوع به واستهتار إلى الحد الذي لا يفكرون معه في دين ولا مروءة، قيل لأبي نواس: أتشرب الخمر؟ قال: نعم، إذا اشتري بثمن خنزير قد سرق حتى يحرم ثلاث مرات، وهو القائل:

ألا فاسقني خمرا وقل لي: هي الخمر

ولا تسقني سرا إذا أمكن الجهر

فما الغبن إلا أن تراني صاحيا

وما الغنم إلا أن يتعتعني السكر

وقيل لثمامة: لم تشرب الخمر وهي تزيل العقل؟ فقال: إن زال اليوم لا يزول غدا. وباع بعض الأشراف من أصحاب الشراب ضيعة، فقيل له: احضر العشية للإشهاد، فقال: لو كنت ممن يصان بالعشيات لما بعت الضيعة. وقال رجل لآخر منهم: لقد وجهت إليك رسولا عشية أمس فلم يجدك! فقال: هذا وقت لا أكاد أجد فيه نفسي. ويقول أحدهم: وددت أني أكون بعوضة فأموت تحت قربة نبيذ؛ حتى يكون موتي في ظلال نعيم. ولما ولي الحسن بن يزيد رضي الله عنه المدينة، قال لابن هرمة الشاعر: لست كمن باع دينه رجاء مدحك، أو خوف ذمك؛ فقد رزقني الله بولادة نبيه

صلى الله عليه وسلم

الممادح، وجنبني المقابح، وإن من حقه علي أن لا أغضي على تقصير في حق ربه، وأنا أقسم لئن أتيت بك سكران لأضربنك حدا للخمر وحدا للسكر، ولأزيدن لموضع حرمتك بي؛ فليكن تركك ذلك لله تعن عليها، ولا تدعها للناس فتوكل إليهم، فقال ابن هرمة:

نهاني ابن الرسول عن المدام

وأدبني بآداب الكرام

وقال لي: اصطبر عنها ودعها

لخوف الله لا خوف الأنام

وكيف تصبري عنها وحبي

لها حب تمكن في عظامي

أرى طيب الحلال علي خبثا

وطيب النفس في خبث الحرام

وقيل لرجل من أصحاب الشراب: ما تقول في الماء؟ فقال: هو الحياة ويشركني فيه الحمار، فقيل له: فاللبن، قال: ما رأيته إلا ذكرت أمي واستحييت، قيل: فالخمر، قال: تلك السارة البارة؛ شراب أهل الجنة. ودعا الوليد بن يزيد شراعة من الكوفة، وهو من فتيانها، فلما قدم عليه قال له: إني والله لم أدعك لأسألك عن قرآن، أو لأستفتيك في سنة، فقال: لو سألتني عنهما لأصبتني فيهما ثورا؛ فلم دعوتني؟ قال: لأسألك عن الفتوة، فقال: أنا دهقانها الخبير، وعالمها الطبيب؛ فسل، فقال: ما تقول في نبيذ التمر؟ قال: اشربه حتى تحر، قال: فنبيذ الدن؟ قال: اشربه حتى تجن، قال: فالداذي؟ قال: أحلى من الماذي، قال: فنبيذ الزبيب؟ فستر وجهه، وقال: العظمة لله، قال: فالخمر؟ قال: لا أرى شربها، قال: ولم؟ قال: لأني لا أؤدي شكرها.

وهذا قليل من كثير، ورحم الله من قال:

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديع · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديعص ١٥