تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أنشد الأخطل:

إذا ما نديمي علني ثم علني

ثلاث زجاجات لهن هدير

خرجت أجر الذيل تيها كأنني

عليك أمير المؤمنين أمير

وبعد، فلله ذلك الطائر الفردوسي البديع الذي كأنه روح هبط على هذه الغبراء من المحل الأرفع، ومعه تلك الهدية التي لا هدية مثلها، تلك البذور الثلاث

112

التي ما أظنه إلا أنه اختلسها من عنب الجنة ليتحفنا بها، فنزدرعها ونفزع إلى عصيرها في هذه الحياة المحزونة المفعمة آلاما؛ ليسري عنا، ويجلو منا صدأ الحس، وينفي الهم عن ساحة النفس.

إن الذي جعل الهموم عقاربا

جعل المدام حقيقة درياقها •••

اقتلا همي بصرف عقار

واتركا الدهر فما شاء كانا

إن للمكروه لذعة هم

فإذا دام على المرء هانا •••

إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى

دعا همه من صدره برحيل

فقلت له: ولكنها - قبحها الله - تسيء من المرء أخلاقه، وتخمل النابه، وترفعه إلى أسفل، وتهوي بالشرف الرفيع إلى الحضيض الأوهد، ولله ذلك القرشي حين يقول:

من تقرع الكأس اللئيمة سنه

فلا بد يوما أن يسيء ويجهلا

ولم أر مطلوبا أخس غنيمة

وأوضع للأشراف منها وأخملا

فسرعان ما أنشد:

إذا صدمتني الكأس أبدت محاسني

ولم يخش ندماني أذاتي ولا بخلي

ولست بفحاش عليه وإن أسا

وما شكل من آذى نداماه من شكلي

ثم قال: والخمر لذلك خليقة أن لا يشربها إلا الملوك وأشباه الملوك، أما السوقة والحشو والغوغاء والحمقى ومن إليهم، فيجب أن يصلبوا، أو يقتلوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم إذا هم شربوها:

والخمر قد يشربها معشر

ليسوا إذا عدوا بأكفائها •••

وجدت أقل الناس عقلا إذا انتشى

أقلهم عقلا إذا كان صاحيا

تزيد حمياها السفيه سفاهة

وتترك أخلاق الكريم كما هيا

وبودي لو أن الكأس بألف، والحر في وجه الأسد حتى لا يشرب إلا كريم، ولا ينكح إلا شجاع:

أجل عن اللئام الراح حتى

كأن الراح تعصر من عظامي

ورحم الله أبا بكر الهذلي إذ يقول للمنصور وقد سأله عن النبيذ: لقد تمادت فيه السفهاء حتى كرهته العلماء، فقلت له: أما تخشى الله يوم الحساب؟ فقال:

إذا صليت خمسا كل يوم

فإن الله يغفر لي فسوقي

ولم أشرك برب الناس شيئا

فقد أمسكت بالدين الوثيق

فهذا الدين ليس به خفاء

دعوني من بنيات الطريق •••

ألا لا يغرنك ذو سجدة

يظل بها دائما يخدع

وما للتقى لزمت وجهه

ولكن ليأتي مستودع

ثلاثون ألفا حواها السجود

فليست إلى ربها ترجع

ورد أخو الكأس ما عنده

وما كنت في رده أطمع •••

أما النبيذ فلا يذعرك شاربه

واحفظ ثيابك ممن يشرب الماء

قوم يداوون عما في نفوسهم

حتى إذا استمكنوا كانوا هم الداء

مشمرين إلى أنصاف سوقهم

هم الذئاب وقد يدعون قراء

فقال أبو عبد الله الفيلسوف: الشراب ضار ونافع. أما أنه نافع، فللبدن بإشراقه، وتقوية الحرارة الغريزية وإنعاشها، وإنضاج الرطوبات، وتنقيح المجاري، وإزالة سددها، وتقوية الهضم، وإنارة الدم، وإدرار الصفراء وترطيبها، وللنفس بانبساطها، وتفتيح آمالها وتشجيعها، وقتل الهم والفكر الفاسد؛ ومن ثم كان أنفع الأشياء للماليخوليا، ثم هو يؤدم بين القلب والقلب، ويبعث الشوق القديم الذي قد ضل في الأحشاء. وكل أولئك إذا استعمل على الوجه الذي ينبغي، وإلا استحالت هذه المنافع مضار، فترى عوض السرور هما وغما وضجرا وسوء خلق، وعوض الصحة مرضا مزمنا، أو موتا فجائيا، وإن أدامة الشراب تبلد الذهن، وترخي العصب، وتوهن قوى الدماغ، وتورث الرعشة والتشنج. وقد أجمع الحكماء قاطبة على أن مدمن الخمر لا ينجب، وإن أنجب كان الولد أحمق.

وبعد، فإن أصدق ما جاء في الخمر قول الله جل شأنه:

يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ، ثم يقول سبحانه يصف خمر الجنة:

لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون ،

113

فكأن السر في تحريمها هو أنها تغتال عقولنا وتشربها، وتورثها الخبل والصداع، كما قال الأول:

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديع · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديعص ١٤