تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لم يبلغ الشيخ إبليس إرادته

حتى تكاثف في عنقوده العنب

وفي الحق ما يقول إبليس: مهما أعجزني ابن آدم فلن يعجزني إذا سكر أن آخذ بزمامه؛ فأقوده حيث أشاء، وأحمله على ما أريد.

ولربما بلغت جناية الشراب وإدمانه إلى ما يأنف الحيوان الأعجم من إتيانه، رووا أن قيس بن عاصم؛ أحد أشراف العرب في الجاهلية، كان يتردد عليه تاجر خمر فيبتاع منه، ويقيم الخمار في جواره حتى ينفد ما عنده، فشرب قيس ذات يوم فسكر سكرا قبيحا، فجذب ابنته وتناول ثوبها، ونظر إلى القمر وتكلم بشيء، ثم انتهب مال الخمار، وأنشأ يقول:

من تاجر فاجر جاء الإله به

كأن لحيته أذناب أجمال

جاء الخبيث ببيسانية تركت

صحبي وأهلي بلا عقل ولا مال

فلما صحا أخبر بما قال وما صنع؛ فآلى أن لا يذوق خمرا أبد الدهر.

وللسكارى فعال تضحك وتبكي، فمن ذلك أن سكرانا وقع على الأرض فجاء كلب يلحس فاه، فجعل يقول:

أخوكم ومولاكم وصاحب سركم

ومن قد نشا فيكم وعاشركم دهرا

وقال بعضهم: كان في دارنا سكران فقعد على مصلى فتبرز فيه، فأخذت بيده إلى المستراح فنام فيه، فقالت جاريتي: يا عجبا! كل شيء منه مقلوب؛ يتبرز حيث ينام الناس، وينام حيث يتبرز الناس. وأن صاحب السكر يصير إما إلى قردية، وهو الذي يضحك ويرقص ويحاكي، أو إلى كلبية، وهو الذي يهارش، أو إلى خنزيرية، وهو الذي يتقيأ ويتبرز ويتلوث فيهما؛ ومن هنا كانت الخمر حقيقة لا تتفق والمروءة والعزة والكرامة، ولا تجتمع والشرف في غمد واحد.

ومن خصائص الخمر أنها تخرق الكف، وتورث السخاء الكاذب حتى:

ترى اللخن الشحيح إذا أمرت

عليه لماله فيها مهينا

وكلما تكرر الشراب تكرر التخرق في الكرم والسخاء، فيفضي ذلك على مر الأيام إلى الفقر والفلاكة والشقاء، ويعم ذلك زوج الشارب وولده وكل من يعول، وإن هذه وحدها لجريمة لا تغتفر، ولو لم يكن ثمت لصاحب الشراب زاجر غيرها لكان حريا أن يقلع عنها.

وقد عرف أصحاب الشراب بسوء العهد، وقلة الحفاظ، وأنهم أصدقاؤك ما استغنيت حتى تفتقر، وما عوفيت حتى تنكب، وما غلت دنانك حتى تنزف، وما رأوك بعيونهم حتى يفقدوك.

أرى كل قوم يحفظون حريمهم

وليس لأصحاب النبيذ حريم

إخاؤهم ما دارت الكأس بينهم

وكلهم رث الحبال سئوم

إذا جئتهم حيوك ألفا ورحبوا

وإن غبت عنهم ساعة فذميم

فهذا ثنائي لم أقل بجهالة

ولكنني بالفاسقين عليم

وقد تبلغ الخمر بصاحبها إلى أن تشوه خلقه، فترى مدمنها يوما وقد عظم أنفه واحمر وتورم، كما يقول شاعر في حماد الراوية:

نعم الفتى لو كان يعرف ربه

ويقيم وقت صلاته حماد

هدلت مشافره الدنان فأنفه

مثل القدوم يسنها الحداد

وابيض من شرب المدامة وجهه

فبياضه يوم الحساب سواد •••

أخو الشراب ضائع الصلاة

وضائع الحرمة والحاجات

وحاله من أقبح الحالات

في نفسه والعرس والبنات

أف له أف إلى أفات

خمسة آلاف مؤلفات

وجملة القول: ليس بعد قول الله جل شأنه:

وإثمهما أكبر من نفعهما

مجال لقائل، والسلام على من اتبع الهدى.

وإنا لفي ذلك إذ اندفعت فضل المدنية تغني على عودها هذه الأبيات:

بيد الذي شغف الفؤاد بكم

تفريج ما ألقى من الهم

فاستبقني أن قد كلفت بكم

ثم افعلي ما شئت عن علم

قد كان صرم في الممات لنا

فعجلت قبل الموت بالصرم

فاستخف غناؤها أبا عبد الله حتى كاد أن يخرج من جلده فرحا، وتحرك الراهب واهتز ثم غمغم كلمات ترجمها إلينا أبو عبد الله بما يقارب قول الطائي حبيب بن أوس:

ولم أفهم معانيها ولكن

ورت قلبي فلم أجهل شجاها

فصرت كأنني أعمى معنى

يحب الغانيات ولا يراها

ثم اندفعت تغني:

آها على بغدادها وعراقها

وظبائها والسحر من أحداقها

ومجالها عند الفرات بأوجه

تبدو أهلتها على أطواقها

متبخترات في النعيم كأنما

خلق الهوى العذري من أخلاقها

نفسي الفداء لها فأي محاسن

في الدهر تشرق من سنى إشراقها

114

فأخذ العلج ينشج نشيجا حارا ويبكي بكاء عاليا حتى إذا سكت عنه البكاء قال ما معناه: لقد هاجت لي داء دفينا، ثم سكت وسكتت فضل وسكتنا ومضت السفينة لطيتها.

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديع · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديعص ١٦