تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

104

بأن يبعث رجلا يعرف الإغريقي واللطيني ليعلم له عبيدا يكونون مترجمين،

105

فأرسل أرمانيوس في هذا المركب راهبا عظيما يسمى نقولا، وقد أزلفت لك أن أبا عبد الله الصقلي يحسن الإغريقي إحسانه للطب والفلسفة والنجوم، وقد كان أخبرني أن الناصر أرسل إليه يستحثه على الوفود إليه ليكون في خدمته،

106

فكان ذلك سببا في انعقاد الصحبة بيننا وبين هذا الراهب، وقد أصبنا منه رجلا حديثا ظريف المحاضرة، له مشاركة في كثير من العلوم والآداب.

وقد ألفينا في هذا المركب طبيبين أندلسيين كانا قد رحلا إلى المشرق منذ سنين، وأقاما هنالك نيفا وعشرين سنة، ودخلا دار السلام «بغداد»، وقرآ فيها على ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة كتب جالينوس، ثم قفلا راجعين إلى الأندلس مسقط رأسهما، ونزلا في هذا المركب من أحد الثغور، وهما أخوان؛ يسمى أحدهما عمر والثاني أحمد،

107

وهما ابنا يونس بن أحمد الحراني الطبيب المشهور. وقد أخبراني أن كتاب ديسقوريدس هذا كان قد ترجمه بدار السلام أيام جعفر المتوكل الخليفة العباسي اصطفن بن بسيل، المترجم من الإغريقي إلى العربي، وتصفحه حنين بن إسحاق فصحح الترجمة وأجازها، قالا: وقد ورد هذا الكتاب إلى بلادنا «الأندلس»، وهو على ترجمة اصطفن.

108

وقد قرأناه وصححنا كثيرا من أسماء العقاقير التي لم يعرف لها اصطفن اسما في العربية، وقد انتفع كثير من أهل المشرق وأهل الأندلس بالمعروف منه. وفي الأندلس اليوم من إخواننا الأطباء نفر توفروا على هذا الكتاب يصححون أسماء عقاقيره، ويعينون أشخاصها، ومنهم أخونا البسباسي، والشجار، وأبو عثمان اليابسة، ومحمد بن سعيد الطبيب.

109

وكأنا بسيدنا الناصر - أدام الله تأييده - وقد أبى إلا أن يقر الأمر في نصابه، ويغمد السيف في قرابه، ويتم أمر هذا الكتاب على ما به، فطلب إلى أرمانيوس ما طلب، وكل ذلك من سيدنا فضل عناية منه بكل ما يجدي على بلاده، ويسمو بها صعدا إلى أبعد مراتب العظمة الذهنية، كما أبعدت به وبأسلافه في سائر ضروب الحضارة؛ وذلك لما فطره الله عليه من العزيمة النافذة، والهمة الطموح البعيدة المرمى، فلا يتعاظمه أمر، ولا تقف همته دون غاية، وحتى لا يحيك في صدر إنسان أن خلفاء بني العباس في المشرق، أو منافسيه الفاطميين في أفريقية قد سبقوه إلى شيء لم يسبقهم هو إليه، وأنت تعلم أن هذه الدول الإسلامية الثلاث،

110

هي أعظم دول الأرض اليوم شانا، وأضخمها سلطانا، والقابضة على زمام الأمور ، والمالكة أخصب البلاد من هذا المعمور، والمستبحر عمران بلادها إلى أكثر من المتوقع المنظور، والتي تعد سائر دول الأرض من هذه الأمم الحمراء كأنها تبع لها، وعيال عليها، فتراها لذلك تتهالك في كل آونة على الازدلاف إليها، وتستنزل رضاها بالهدايا والتحف، وغريب النفائس والطرف، وتستصرخها بعض على بعض، فتكون الحتوف أسبق إلى المغضوب عليهم من السيوف.

إنا إذا ما أتانا صارخ فزع

كان الصراخ له قرع الظنابيب

111

ومن ثم ترى هذه الدول العظمى تتسامى في كل ما يكسبها حسن الأثر، وجميل الذكر، ويملأ مسامع الدهر حمدا وثناء، وينبض له قلب الدنيا فخرا وعلاء، فتراها لذلك آخذة بيد العلم والعلماء، مالئة بأعطياتها أيدي الشعر والشعراء، حتى العلوم الفلسفية بجميع ضروبها؛ من إلهية وطبيعية ورياضية وطبية وفلكية، تعضدها، وتغري القائمين عليها بالاستزادة منها، والتقصي في البحث عن غوامضها، وتظهر الرغبة في الحصول على مآخذها من ملوك الروم، الذين حشدت في خزائن كتبهم تواليف فلاسفة اليونان الأقدمين.

ولقد أقلعت بنا السفينة باسم الله مجراها من ميناء مسيني، وبكرت مع البازي عليه سواد، في فجر يوم الجمعة سلخ ربيع الأول، وذلك لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر جونيو الرومي سنة ست وخمسين وتسعمائة من مولد السيد المسيح عليه الصلاة والسلام، وكان البحر هادئا، والنسيم فاترا عليلا، وكانت قبة فضل ومن معها بمرأى منا ومسمع، وكان معنا أديب من أدباء صقلية لم نكن ندري أين وجهته، ولكنه نزل بعد ذلك في جزيرة ميورقة، وكان قد ند منه عقيب إقلاعنا من مسيني أمر أفضى إلى حديث لا علينا إذا نحن أوردناه في هذه الرسالة تطرية للقول؛ وذلك أنا بعد أن صلينا الصبح حاضرة، وصلى معنا هذا الأديب الصقلي، رأيناه وقد انتحى ناحية، وأخذ يصطبح ويلح على ابنة العنب يشربها صرفا لا يقتلها بالماء، فأنكرت عليه ذلك إنكارا شديدا وقلت له: ما تصنع بالخمر وإن أولها لمر وإن آخرها لسكر؟ فقال: لا أقول لك إلا ما قال الأخطل لعبد الملك بن مروان إذ قال له عبد الملك مثل قولك هذا، فقال له الأخطل: ولكن بين هاتين لمنزلة ما ملك أمير المؤمنين فيها إلا كعلقة ماء من الفرات بالإصبع.

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديع · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حضارة العرب في الأندلس: رسائل تاريخية في قالب خيالي بديعص ١٣