88 - ثم مدينة قطانية على ستة أميال من مدينة لياج الواقعة بينها وبين طبرمين، وهي مدينة كبيرة على ساحل البحر في سفح جبل النار، وتسمى الآن مدينة الفيل؛ لأن فيها طلسما من حجر على صورة فيل كان منصوبا فيما غبر من الأيام على بناء شاهق، ثم نقل ونصب داخل المدينة.
89
وبهذه المدينة الأسواق العامرة، والديار الزاهرة، والمساجد والجوامع والفنادق والحمامات. ثم مدينة سرقوسة
90
شرقي مدينة قطانية على مرحلتين كبيرتين منها، وهي من مشهورات المدن وأعيان البلاد، تضرب إليها أكباد الإبل من كل حاضر وباد، وهي على ساحل البحر، والبحر محدق بها من جميع جهاتها، وبها ما بأكبر المدن من الأسواق والخانات والمساجد والحمامات، والمباني الرائقة، والأفنية الواسعة المونقة، ولها إقليم كبير طوال كله مزارع وجنات وأثمار، وقدما كان بها سرير ملك الروم، فلما ملك المسلمون بعض الجزيرة نقلت دار الملك إلى مدينة قصريانة إلى أن امتلك المسلمون سائر الجزيرة. وقد فتح المسلمون سرقوسة هذه رابع عشر رمضان سنة أربع وستين ومائتين، الموافق عشرين مايه الرومي سنة سبع وسبعين وثمانمائة، ثم مدائن نوطس، وشكلة، ورغوص، وبثيرة،
91
وكركنت،
92
وشاقة،
93
ومأزر،
94
ومرسى علي، وطرابنش،
95
ومدائن أخرى كثيرة،
96
وكلها على ساحل البحر - كما أسلفنا - عدا مدينة رغوص، فإن بينها وبين البحر نحوا من اثني عشر ميلا - أما مدينة قصريانة، فهي في وسط الجزيرة على سن جبل، وهي مدينة أزلية قديمة، وقد كان فيها سرير ملك الروم، نقل إليها - كما أسلفنا - بعد أن ملك المسلمون مدينة سرقوسة لحصانتها، وقد فتح المسلمون هذه المدينة يوم الخميس منتصف شوال سنة أربع وأربعين ومائتين، الموافق سلخ يناير الرومي سنة تسع وخمسين وثمانمائة. ولما فتحها العباس الأغلبي بنى فيها في الحال مسجدا، ونصب فيه منبرا، وخطب فيه يوم الجمعة، وذل الروم بصقلية يومئذ ذلا عظيما.
وبعد، فهذا الذي ذكرنا من بلدان هذه الجزيرة إنما هو غيض من فيض، ونحن إذا حاولنا ذكر سائر المدن والقرى والقلاع المعروفة في هذه الجزيرة لاحتجنا إلى أسفار كثيرة، وفي هذا القدر غناء.
وقد رأينا من تمام الفائدة أن نصور للناظر في هذه الرسالة جزيرة صقلية وبعض بلدانها المشهورة، وبلاد قلورية، ومدينة ريو، وجزائر أقريطش، وسردينية، وقرشقة، وميورقة، ومنورقة، ويابسة، ومدينتي الإسكندرية والمرية، وبالجملة كل ما جاء له ذكر في هذه الرسالة.
وقد آن لنا أن نرجع إلى ما نحن بصدده.
مدينة مسيني
أما مدينة مسيني فهي في ركن من الجزيرة بشرقيها،
97
مستندة إلى جبال قد انتظمت حضيضها وخنادقها، والبحر يعترض أمامها في الجهة الجنوبية منها، ومرساها أعجب مراسي البلاد البحرية، كما أسلفنا؛ لأن المراكب الكبار تدنو فيه من البر حتى تكاد تمسكه، ولا يحتاج إلى زواريق في وسقها، ولا في تفريغها، إلا ما كان مرسيا على البعد منها يسيرا، فتراها مصطفة مع البر كاصطفاف الجياد في مرابطها وإصطبلاتها؛ وذلك لإفراط العمق فيها.
98
وهذه مسيني هي رأس جزيرة صقلية، وهي كثيرة العمائر والضياع، وأرضها طيبة المنابت، وبها جنات وبساتين ذات أثمار كثيرة، ولها أنهار غزيرة عليها أرحاء جمة.
99
ولما نزلت هذه المدينة سلمت أمتعتي إلى أحد الحمالين، وقصدت معه إلى أحد الفنادق، فذهب بي إلى فندق قائم على جبل مطل على المدينة، وكان لأحد مغاربة أفريقية، فاحتفى بي صاحبه وبالغ في إكرامي، واحتفل في راحتي حتى أنساني برقة حاشيته، وطيب أنسه، مجاشم السفر، وذل الاغتراب. وقد صادفت في هذا الفندق أبا عبد الله الصقلي الفيلسوف، وكان قد نهد - حفظه الله - من بلرم إلى مسيني لما علم بقدومي، فكمل أنسي به، وعراني من الغبطة والسرور ما لا يقوم بالعبارة عنه بيان، ولا يروم اطلاع فجه لسان، ولا سيما حين أخبرني أبو عبد الله أنه ينتوي الذهوب إلى الأندلس، وهي منتواي ومقصدي.