تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلولا سناها بت في جنح ليلين

30

قلت له: وبماذا دخلت الجنة يا إمام؟ قال: بإضحاكي في الدنيا الأنام. قلت: وهل الضحك يدخل صاحبه جنة النعيم؟! قال: وهل الضحك إلا آية حسن الظن بالله الغفور الرحيم، ولقد غفر الله لأبي نواس - وهو من تعلم - إذ أحسن ظنه بربه، فقال:

تبسطنا على الآثام لما

رأينا العفو من ثمر الذنوب

ويقول:

تكثر ما استطعت من الخطايا

فإنك بالغ ربا غفورا

ستبصر إن وردت عليه عفوا

وتلقى سيدا ملكا كبيرا

تعض ندامة كفيك مما

تركت مخافة النار السرورا

ثم قال إمام: ولقد كنت أنا الآخر حسن الظن بالله؛ إذ كنت في الدنيا كما تعلم رجلا مفلوكا محدودا محارفا جدب المعيشة مقترا علي في الرزق،

31

أرمق العيش على برض، حتى لكأني كنت أستقطره من أخرات الإبر،

32

وكأن القضاء أحرق سفائني دون الغنى والثراء، ولقد قلت وأنا في دار الهموم:

خلقت بين أناس لا خلاق لهم

فباعني الدين للدنيا بلا ثمن

لولا بقية دين أمسكت قلمي

لقلت إن إله الخلق لم يرني

33

وأنت تعلم:

أن الثراء هو الخلود وأن

المرء يكرب يومه العدم

ولكني على ذلك كنت عند قول شاعر الدنيا شوقي:

فإن السعادة غير الظهور

وغير الثراء وغير الترف

ولكنها في نواحي الضمير

إذا هو باللؤم لم يكتنف

وكنت لا أهلع ولا أستوهل

34

لأي مكروه دعاني الله به ونزل بساحتي، وكنت كلما مسني الضر وهر علي الزمان

35

ازددت تيها على الدهر، وسخرا من الأيام، فكان لسان حالي ما يقول ابن دريد:

لا تحسبن يا دهر أني ضارع

لنكبة تعرقني عرق المدى

36

مارست من لو هوت الأفلاك من

جوانب الجو عليه ما شكا

هذا إلى أني نظرت فرأيت أنه ما من إنسان، في دار الأحزان، إلا وهو آخذ من لأوائها بنصيب،

37

فكل من فيها لذلك بحاجة، أي حاجة، إلى من يروح عنه ويهون عليه ... وكأن الأقدار الرحيمة التي أبت لحكمة بالغة إلا أن تجعل بجانب الخير شرا، والنفع ضرا، والحلو مرا، أنشأت أمثالي ليقوموا بمداواة النفوس، وتخفيف ما يئودها من هم وبوس،

38

ولا دواء إلا الدعابة والمجون والضحك.

إنما للناس منا

حسن خلق ومزاح

ولنا ما كان فينا

من فساد وصلاح

قال إمام: على أن في الضحك معنى غريبا من غير هذه البابة

39

وقفت في الدنيا على مستسرة،

40

ذلك أن الضحك سر من الأسرار الكبار، التي تبعث على الإجلال والإكبار، فقد كنت في الدنيا متى أحسست من أناس شموخا وكبرياء وإزراء بي وإعراضا عني، فانبعثت ضاحكا كأنني أنكرهم ولا أكترث لهم ولا أعبأ بهم، كأن لم يكونوا شيئا، لا يلبثون أن تستقيم أخادعهم،

41

ويطأطئوا من كبريائهم ... وكنت كلما استغربت في الضحك واستغرقت - على شريطة أن أكون صادقا لا يرى علي أدنى تعمل - تحاقرت إليهم نفوسهم، وامتلأت بي عيونهم، وانبسطوا إلي، وأقبلوا بنشاطهم علي، وهلم حتى أطولهم وأركب يافوخهم وأستولي على الأمد ... فعليك في دار النفاق بالضحك؛ فإنه أمضى سلاح تنتضيه كلما أنست ممن حولك شيئا من الزهو والعجرفة ... ولذلك سبب: هو أن الضحك عنوان الهناءة والسعادة، فإذا ضحكت بكل قلبك كان هذا الضحك منبهة للناس على جليل خطرك ورفعة شأنك، فتراهم بعد أن كانوا يرحمونك، يحسدونك، وبعد أن كانوا يحقرونك، يكبرونك:

إذا شئت أن تلقى الأنام معظما

فلا تلقهم إلا وأنت سعيد

وسبب آخر: هو أن الضحك دليل الثقة بالنفس والاعتداد بها والإدلال بقيمتها، فإذا ضحكت فإنما ذلك لأنك بنفسك وثقت، ولا شيء يبعث على تعظيم قدرك مثل ثقتك بنفسك، وعلى العكس من ذلك كله: الإطراق والاكتئاب.

قال الأديب: وكذلك كان إمام، فقد كان دائما طلق المحيا، ضاحك السن، ظريف المحاضرة، بديع النادرة، فكه الأخلاق، خفة روح الزمان، تراح له القلوب، ويمازج الأرواح، وتشربه الضمائر. وإذا صح أن للضحك أمة، فقد كان إمام نبي أمة الضحك، وكانت معجزته أنه ما من إنسان، كان ما كان، من الخشونة والوقار، والعبوس والاكفهرار، والإطراق والانقباض، والحزن والارتماض، ثم رأى إماما، قبل أن يتدفق كلاما، إلا سرى عنه الهم، وتبسم قلبه قبل الفم، ناهيك بعد ذلك بمجونه وطرفه، ونوادره وملحه، التي كانت تفعل بسامعيها فعل الراح بشاربيها، وإنها لنعمة من نعم الله الكبرى أن وجد في عصرنا مثل إمام ...

الفردوس · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفردوسص ٩