أبو علي أخلاقه زهر
غب سماء وروحه قدس
يشتاقه من جماله غده
ويكثر الوجد نحوه الأمس
أيامنا في ظلاله أبدا
فصل ربيع ودهرنا عرس
لا كأناس قد أصبحوا صدأ ال
عيش كأن الدهر بهم حبس
ثم قال إمام: أما السواد الذي حسبته عابا، وساء مآبا، فأين أنت من قول الله جل شأنه:
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، ومما ورد في الأثر: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم»، وبديع ما قال ابن عمي سحيم:
إن كنت عبدا فنفسي حرة كرما
أو أسود اللون إني أبيض الخلق
وأبو الطيب إذ يقول:
إنما الجلد ملبس وابيضاض الخل
ق خير من ابيضاض القباء
وأظنك لا تجهل قصيدة رياح بن سنيح الزنجي، مولى بني ناجية التي ذكر فيها أكثر من ولدته الزنج من أشراف العرب، يجيب بها جريرا حين قال جرير:
لا تطلبن خئولة في تغلب
فالزنج أكرم منهم أخوالا
فتحرك رياح وقال هذه القصيدة، وفيها يقول:
والزنج لو لاقيتهم في صفهم
لاقيت ثم جحاجحا أبطالا
42
ولقد أشاد الشعراء في الدنيا بالسواد، وشببوا القصائد بالسوداوات، حتى فضلوهن على البيضاوات، وحسبك ما يقول ابن قلاقس السكندري:
رب سوداء وهي بيضاء معنى
نافس المسك عندها الكافور
مثل حب العيون يحسبه النا
س سوادا وإنما هو نور
وصردر إذ يقول:
علقتها سوداء مصقولة
سواد قلبي صفة فيها
ما انكسف البدر على تمه
ونوره إلا ليحكيها
لأجلها الأزمان أوقاتها
مؤرخات بلياليها
ولقد أتى ابن الرومي في هذا الباب بالعجب العجاب، فكان كما قيل: جرى الوادي فطم على القرى
43 ... قال من أبيات يصف جارية سوداء لعبد الملك بن صالح:
سوداء لم تنتسب إلى برص الشق
ر ولا كلفة ولا بهق
44
ليست من العبس الأكف ولا الفل
ح الشفاه الخبائث العرق
45
في لين سمورة تخيرها الفرا
ء أو لين جيد الدلق
46
تذكرك المسك والغوالي والس
ك ذوات النسيم والعبق
47
أكسبها الحب أنها صبغت
صبغة حب القلوب والحدق
فانصرفت نحوها الضمائر والأبص
ار يعنقن أيما عنق
48
يفتر ذاك السواد عن يقق
من ثغرها كاللآلئ النسق
49
كأنها والمزاح يضحكها
ليل تفرى دجاه عن فلق
50
وبعض ما فضل السواد به
والحق ذو سلم وذو نفق
ألا يعيب السواد حلكته
وقد يعاب البياض بالبهق
51
قلت له: إني يا إمام أعابثك كما كنت أعابثك في العاجلة؛ إذ كنت أحاول بذلك استثارة دفائنك، واستخراج كنوزك ونوادرك، وإذ كنت أحبك كل الحب هناك، فهل كنت تحبني كما كنت أحبك يا إمام؟ قال إمام: وهل تظن كما يظن العامة، وكثير من الخاصة، أن من أحب إنسانا أحبه المحبوب، وتشابكت القلوب والقلوب؟! وأين أنت إذن من قول ذلك الشاعر الجاهلي، وقد أصاب مقطع الحق:
جننا على ليلى وجنت بغيرنا
وأخرى بنا مجنونة لا نريدها
وكيف يود القلب من لا يوده
بلى قد تريد النفس من لا يريدها
فضحكت وضحك إمام ... ثم قلت له: وأين نزلك يا إمام؟ قال: في مكان قصي حيث ينزل أشعب وجحا والجماز والغاضري وأبو دلامة وأبو الشمقمق والشيخ علي الليثي، وكثير من أعيان المجان في الإسلام، وكلما تاقت نفسي إلى رؤية معاصري في الدنيا من أهل مصر جئت إلى حيث هؤلاء الأئمة الأعلام، ولعلك زائري بعد هذه الزورة، حيث تلاقي كل مسرة.
حدث الأديب الثقة قال:
وإني لفي حوار مع إمام؛ إذ أقبل علي الإخوان جميعا يستنبئونني عن حال مصر، ويستطلعون طلعها، كل من الجانب الذي كان يعنيه في العاجلة: أما الشيخ محمد عبده فكان تسآله عن الدين وما ألم به، والأزهر وما نزل بساحته، وكان سؤال الشيخ حسن الطويل عن العلم والفلسفة، وقاسم أمين وملك ناصف فكان سؤالهما عن المرأة المصرية، وفتحي زغلول عن الحالة الأخلاقية والاجتماعية، ومصطفى كامل ومحمد فريد فكانا سئولين عن الحالة السياسية، وكان سؤال البارودي وإسماعيل صبري عن الشعر، والمويلحي وحفني ناصف عن الكتابة والأدب، وحمزة فتح الله عن اللغة، وحسن جلال عن القضاء، وعبده الحامولي عن الغناء والموسيقى، والشيخ سلامة عن التمثيل ... فوقعت في حيص بيص،