تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حدث الأديب الثقة قال:

وما كدت أزايل الزورق وأضع قدمي في الشاطئ حتى تلقاني الولدان المخلدون، يترقرق في وجوههم ماء النعيم النضر، وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، يختلن في ثياب من سندس خضر، ثم أطافوا بي كما يطيف ولدان أهل الدنيا بالحميم يقدم من غيبته، ثم مشوا بي على رود ومهل

19

في بستان مشرق مونق تزدهر أزهاره، وتشتجر أشجاره، وتستأسد نجومه،

20

ويجن جميمه،

21

وتغرد أطياره، وتجري أنهاره، ثم استشرفت فآنست - على غلوة سهم منا وفي بهرة البستان

22 - خيمة من اللؤلؤ المجوف أطنابها من الزبرجد، وأوتادها من الياقوت الأحمر، حتى إذا وصل الولدان إلى الخيمة أشاروا إلي بالدخول، فرميت ببصري فرأيت ثلة من خيرة المصريين

23

جالسين كجماع الثريا على سرر متقابلين:

24

بيض الوجوه كريمة أحسابهم

شم الأنوف من الطراز الأول

وممن عرفت منهم: الشيخ محمد عبده، والشيخ حسن الطويل، ومصطفى كامل، ومحمد فريد، وقاسم أمين، وأحمد فتحي زغلول، ومحمود سامي البارودي، وإسماعيل صبري، وإبراهيم المويلحي، وحفني ناصف، وحسن جلال، وحمزة فتح الله، وملك ناصف (باحثة البادية)، وعبده الحامولي، وسلامة حجازي، وإمام العبد، فسلمت فردوا علي السلام، وكأني بهم وقد عرفوني، فأقبلوا علي يصافحونني ويعانقونني أحر عناق، وأشرقت وجوههم على إشراقها أيما إشراق، ونظرت فرأيت الملائكة يدخلون عليهم من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون ...

وبعد أن اطمأن بنا المجلس دخل علينا سرب من الحور العين، يحمل بعضهن أطباقا من الذهب فيها من فاكهة الجنة ألوان، وبعض يحملن الورود والرياحين، وأخريات يشتلن ألوانا من الكئوس والأباريق والدنان.

25

وشرابا ألذ من نظر المع

شوق في وجه العاشق بابتسام

لا غليظا تنبو الطبيعة عنه

نبوة السمع عن شنيع الكلام •••

من سلاف كأنها كل شيء

يتمنى مخير أن يكونا

أكل الدهر ما تجسم منها

وتبقى لبابها المكنونا

فإذا ما لمستها فهباء

تمنع اللمس ما تبيح العيونا

في كئوس كأنهن نجوم

جاريات بروجها أيدينا •••

تعاطيكها كف كأن بنانها

إذا اعترضتها العين كف مدار •••

حوراء إن نظرت إلي

ك سقتك بالعينين خمرا •••

في مجلس ضحك السرر به

عن ناجذيه وحلت الخمر

فتفكهنا جميعا بفاكهة الجنة، وتشممنا الورود والأزاهر والرياحين، ثم طيف علينا بالراح، وأديرت بيننا الكئوس وكلنا عرض عليه الشراب، وكلنا شرب ما عدا إمام العبد، فانتهزت فرصة تشاغل الإخوان بالتفكه والشراب، وحرمان إمام من العقار،

26

فاختلست الحديث إليه اختلاس النسيم لنفحة الأزهار، واستلبته استلاب الشمس لرضاب طل الأسحار،

27

وألقمته أذني فصب فيها حديثا لم نشعر معه بوقت؛ إذ كان أوحى

28

من ومضة برق، وقد مر دون أن يلتفت إليه الإخوان؛ إذ كل شيء في دار السلام غيره في دار الأحزان، قلت له بصوت خافت أريد مداعبته: لعل السبب يا إمام، من حرمانك المدام، أنك كنت في الدنيا من السودان، لا من البيضان، وهل يستوي الليل والنهار، أم هل تستوي الظلمات والأنوار؟! فافتر إمام وأومض

29

حتى تبدت نواجذه، ثم ضحك ضحكته العالية، المعروفة عنه في الدار الفانية، وكانت وحدها لتفجير ينابيع الضحك في صدور جلاسه كافية، ثم قال: لقد أدمنت يا أخي شرب الخمر في الحياة الدنيا، وما زلت أعاقرها حتى صرعتني وأثأرت مني، فهل تشرئب أطماعي إلى أن أحظى بها في الآجلة، بعد أن نلت منها هذا النيل في العاجلة؟ أما يكفيني أني دخلت الجنة التي أعدت للمتقين، وأني أستمتع الآن بمائة حوراء؛ لأن سوادي في الدنيا حال بيني وبين كل بيضاء، وأنا القائل لذلك فيها:

أنا ليل وكل حسناء شمس

فاجتماعي بها من المستحيل

والقائل:

وسوداء كالليل البهيم عشقتها

لأجمع بين الحظ والليل في عيني

إذا ضمنا ليل تبسم ثغرها

الفردوس · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفردوسص ٨