فاستحلت - بحمد الله - إلى شاب غض بض،
46
أهيف القد،
47
أدعج العين،
48
مقرون الحاجبين، أسيل الخدين،
49
رقيق الخصر، حلو الشمائل، قيد النواظر،
50
أما الوجه فقد صار بعد هذا القبح كأنه البدر ليلة التمام،
51
وأما الأنف الأنافي فقد حال إلى قصبة در وحد حسام، والفم فقد آض إلى حلقة خاتم، أما العين فعين أحور من جآذر جاسم:
52
فإذا بدا اقتادت محاسنه
قسرا إليه أعنة الحدق
لا شيء إلا وفيه أحسنه
فالعين منه إليه تنتقل
فوائد العين فيه طارفة
53
كأنما أخرياته أول
| هوامش
| الأديب يركب زورقا في الجنة
حدث الأديب الثقة قال:
ثم أجلت بصري حوالي فوجدت في أقرب النهرين إلينا زورقا جميلا ألاقا يتلألأ تلألؤ النجم الساطع، والكوكب اللامع، وقد قام على جاليه الولدان المخلدون،
1
وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون،
2
فسمت نبي الله الخضر سمته، فتبعته، ثم نزل فنزلت، فتلقانا الولدان باشين بنا هاشين، فرحين مستبشرين، وما كدنا نضع أقدامنا في الزورق حتى أقلع وتقاذف بنا في النهر وانساب انسياب الحباب، ومضى مضي العقاب، وصار يطوي النهر طي السجل للكتاب:
3
ترى الحركات منه بلا سكون
فتحسبها «لسرعته» سكونا
كسير «الأرض» ليس بمستقر
وليس بممكن أن يستبينا
أما الزورق فمن الذهب الوهاج الضحيان،
4
المسمر بالماس والياقوت والمرجان، أما شراعه فمن الخز الأدكن،
5
وحبالها من الدمقس المفتل،
6
وأما دوقله فمن اللجين،
7
وسكانه فمن الذهب العين،
8
وما أجمل المردي في يد النوتي،
9
وقد فرش الزورق بزرابي مبثوثة من إستبرق، ونمارق مصفوفة من سندس أخضر وديباج أزرق.
10
بسط أجاد الرسم صانعها
وزها عليها النقش والشكل
فيكاد يقطف من أزاهرها
ويكاد يسقط فوقها النحل
وأنت فإذا أنعمت فيه النظر، وهو يشق طائرا عباب النهر، وحواليه زوارق أخرى تسابقه، ولكنها لا تكاد تلحقه، حسبت طواويس أبرزت رقابها، ونشرت أجنحتها وأذنابها، وكأنها إذا جدت في اللحاق، وتنافست في السباق نوافر نعام، أو حوافل أنعام، وويلي من الولدان وهم يجدفون بمجاديف من الجمان، رءوسها من العقيان،
11
كأنها طير تنفض خوافيها،
12
أو حبائب تعانق حبائب بأيديها، في ماء جاش آذيه
13
وهو أصفى من البلور، وأبيض من الفضة، وأحلى من الشهد:
هو الجو من رقة غير أن
مكان الطيور يطير السمك
طينه المسك الأذفر،
14
ورضراضه الدر الأبيض والياقوت الأحمر،
15
وحفافاه قباب اللؤلؤ المجوف المقمر،
16
تطل عليه القصور المشيدة المبنية من صنوف الجوهر، تحفها الرياض الضواحك التي تستوقف فيها حدق الأزاهر، حدق النواظر:
الأنف والطرف فيها يسرحان معا
في مبسم أرج أو منظر قشب •••
والماء يفصل بين زهر الرو
ض في الشطين فصلا
كبساط وشي جردت
أيدي القيان عليه نصلا
وأفانين الطير بالنهر محدقة، وغرائبها بالغصون معلقة، متغايرة الألوان والصفات، متنوعة الأصوات واللغات:
ورق تغنى على خضر مهدلة
تسمو بها وتمس الأرض أحيانا
تخال طائرها نشوان من طرب
والغصن من هزه عطفيه نشوانا
وتنظر فترى أسراب الإوز والبط، منثورة في الماء والشط:
وكأن الطيور إذ وردته
من صفاء به تزق فراخا
17
وأقاطيع الظباء والبقر، تطفو وترتع على حفافي النهر:
ما إن يزال عليه ظبي كارع
كتطلع الحسناء في المرآة
والسمك يعوم بعضه في الماء، وبعضه ينزو
18
في الفضاء:
يعمن فيه بأوساط مجنحة
كالطير تنفض في جو خوافيها
وما زلت في هذه النزهة الفردوسية التي يقصر عنها وصف الواصف حتى رسا بنا الزورق على قصر منيف بهيج، في روض مغن ضاحك عبق الأريج، يختال حسنا ونضارة، ويزهى رواء وغضارة:
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا
من الحسن حتى كاد أن يتكلما
فنظر إلي نبي الله الخضر باسما، وقال: أتدري لمن هذا القصر؟ هذا قصر أحب الناس إليك، هذا قصر أستاذك في الدنيا «الشيخ محمد عبده»، وإني آنس منك التوق إلى لقائه، فهلم وسأفارقك إلى حين. •••