لا تلح من يبكي شبيبته
15
إلا إذا لم يبكها بدم
لسنا نراها حق رؤيتها
إلا زمان الشيب والهرم
كالشمس لا تبدو فضيلتها
حتى تغشى الأرض بالظلم
ولرب شيء لا يبينه
وجدانه إلا مع العدم
والبيض الحسان، وهن الروح والريحان،
16
وقرة العين،
17
والسكن لذي الأين،
18
وغايات الأمل، ومنسيات الأجل، هل تظفر منهن بالود والهوى ما لم تخطر بينهن برداء الصبا؟ وبأي شفيع تخطب أيها الشيخ ود الغانيات، وقد سود ما بينك وبينهن بياض تلك الشعرات:
فإن تسألوني بالنساء فإنني
خبير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قل ماله
فليس له في ودهن نصيب
يردن ثراء المال حيث علمنه
وشرخ الشباب عندهن عجيب
19 •••
أعر طرفك المرآة وانظر فإن نبا
20
بعينك عنك الشيب فالبيض أعذر
إذا شنأت عين الفتى شيب نفسه
فعين سواه بالشناءة أجدر
21
يقولون: في الشيب والوقار، والعفة والحلم والأدب له تبع،
22
وتلك - عمرك الله - حجة لاجئ إليها العاجزون؛ ففي الموت الوقار الأكبر، وفي الشيب وقار؛ لأنه الموت الأصغر، وهل ما يزعمونه عفة إلا لأن عريت أفراس الصبا ورواحله،
23
وطارت دواعي المراح ووسائله.
ليت الحوادث باعتني الذي أخذت
مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي
24
فما الحداثة من حلم بمانعة
قد يوجد الحلم في الشبان والشيب •••
شعلة في المفارق استودعتني
في صميم الفؤاد ثكلا صميما
دقة في الحياة تدعى جلالا
مثل ما سمي اللديغ سليما
25
حلمتني زعمتم وأراني
قبل هذا التحليم كنت حليما
ويقولون: إنما الرأي للشيخ؛ لأن التجاريب قد حنكته، وتصاريف الأدهار قد سبكته،
26
وآض وقد ضرب آباط الأمور ومغابنها،
27
واستشف ضمائرها وبواطنها، فهلا قالوا: إن الأيام نحتت أثلته،
28
وأخمدت وقدته، وأبردت عظامه، وفلت حسامه،
29
وأساء عليه أثر السن، فأخذت الأيام من لبه كما أخذت من سنه ... وإنما الشيخ لدى النصفة والمعدلة كالزند الذي قد انثلم، ورأي الشبان كالزند الصحيح الذي يري بأيسر اقتداح
30 ... ولله در الفاروق - رضوان الله عليه - إذ كان كلما حزبه أمر،
31
ونزل به معضل، دعا الفتيان واستشارهم، ويقول: هم أحد قلوبا ... على أن من شيم الشيوخ - كما يقول الحكيم - أن يستبدوا دائما بآرائهم ويجمدوا أبدا على أفكارهم:
والشيخ لا يترك أخلاقه
حتى يوارى في ثرى رمسه
32
ومن ثم اعتاد سكان جزر فيجي أن يذبحوا آباءهم متى كبروا وحطمتهم السن العالية، وبهذا يعبدون سبيل التطور ويذللون لأنفسهم طريق الرقي والتدرج ... قال الحكيم: ونحن فإنا نتقدم إلى الورا، ونسير القهقرى،
33
بإلقائنا تقاليد أمورنا إلى شيوخنا ... أما أنا فلما رأيتني وقد رددت إلى أرذل العمر،
34
وأصبحت هامة اليوم أو غد،
35
وأخذت سفينة الشيب تقترب بي من ساحل الموت، وقد فاتني الشباب وما يستتبعه من متع الحياة كل الفوت، وكنت بغريزتي أمقت ما يسمونه الجد والحشمة والوقار، وكنت مذ جن الصبا مفراحا ممراحا لعوبا متوقدا كأنني خلقت من مارج من نار،
36
فزعت في الكبر إلى ابنة العنب أحتسيها،
37
ووجدت عزائي كله فيها،
38
ومن أحق من الشيخ بالرحيق،
39
وما الذي يبل منه الريق، ويصير ماءه جاريا جديدا، بعد أن كان راكدا آسنا بليدا،
40
ويضيء سراجه بعد أن طفئ وخبا،
41
ويورق غصنه بعد أن ذبل وذوى، ويحيي منه ميت النفس، بعد أن ظللته ظلال الرمس، غير الشراب؟!
لاح شيبي فرحت أمرح فيه
مرح الطرف في العذار المحلى
وتولى الشباب فازددت ركضا
في ميادين باطلي إذ تولى
إن من ساءه الزمان بشيء
لأحق امرئ بأن يتسلى
42 •••
اشرب على موق الزمان ولا تمت
أسفا عليه دائم الحسرات
43 •••
لا تنم واغتنم مسرة يوم
إن تحت التراب نوما طويلا
وبعد، فيرحم الله حبيب بن أوس إذ يقول:
لو رأى الله أن في الشيب خيرا
جاورته الأبرار في الخلد شيبا
44
وكذلك أبدلني الله إثر دخولي الجنة بشيبي شبابا، وبقبحي حسنا لبابا،
45