91
وإن لم يكن خمر فخل، وإن لم يصبها وابل فطل،
92
ومن لم يجد ماء تيمما ...
رضوان
رضوان، وما أدراك من رضوان، ثم ما أدراك من هو؟
هو أحد الملائكة المقربين، وحسبه أنه سيد خزنة الجنة التي أعدت للمتقين، وهو نور في نور، يكاد سنا برقه يأخذ بالأبصار، ولو هو صاح في جانبي الديجور،
93
لانمحت آية الليل ولم يبق إلا النهار، وماذا عسى أن يكون القول في ملك هو ابتسام فم الآخرة ... وإذا كان يوم الفصل فهو فيه قطب الرحى ومركز الدائرة، ولا غرو، فمن ذا الذي يدخل دار السلام إلا بإذنه ورضاه، ومن ذا الذي لا يجعل الازدلاف إليه لذلك وكده وهجيراه،
94
أما أنا فقد أراحني نبي الله الخضر وكفاني مؤنة بذل أي مجهود في سبيل دخول الجنة؛ إذ لم تكد عين رضوان تأخذ الخضر - عليه السلام - حتى فتح لنا باب الفردوس، وفي هذه اللحظة فرطت مني بادرة كادت تطيح بي في مهواة اليأس من دخولي الجنة
95
إذ أدركتني حرفة الأدب - لها الله - وجال في صدري أن أنظم أبياتا أمتدح بها رضوان وأزدلف بها إليه، شنشنتي في الدنيا وشنشنة كل أديب،
96
فاتسق لي ذلك واستقام، وفتح الله علي بقصيد بارع موف على الغاية، أطريت فيه رضوان ولا إطراء النصارى المسيح ابن مريم،
97
ثم اقتربت من خازن الجنة لأنشده هذا القصيد، وكأن نبي الله الخضر أحس ذلك مني، فنظر إلي نظرة مروعة استطير لها قلبي وماث من الخوف كما ينماث الملح في الماء ... فأمسكت وسقط في يدي،
98
واعتذرت إلى الخضر عن هذه الهفوة ونشدته الله أن لا ترهقني من أمري عسرا، فإن ربة الشعر هي التي أوحت إلي وأغرتني بهذا الأمر؛ إذ سحرني جمال رضوان وملك علي مشاعري وأنساني ما تشارطنا عليه ... ويا لله ما أشأم الأدب على من امتحن به حتى في الآخرة! ... وما لرضوان الذي خلقه الله من طينة الصدق، وفي مهده درج وفي آفاقه يطير، وما للشعر الذي أحسنه كما قيل أكذبه!
| هوامش
| الأديب يدخل الجنة
ولما فتح باب الفردوس أخذت عيناي شجرة شجراء،
1
أصلها ثابت وفرعها في السماء،
2
ومن سنخ
3
هذه الشجرة ينبع عينان ثرتان نضاختان،
4
ينساب منهما نهران يجريان، وحوال هذه الشجرة سرب من الملائكة وقد اصطفوا صفا صفا، فحياهم نبي الله الخضر، فحيوا بأحسن من تحيته، ثم غمزني نبي الله بعينيه، وأشار إلي بأن أنغمس في إحدى هاتين العينين، فسألته جلية الأمر، فقال: وهذه واحدة ... ألم أقل لك لا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا. فقلت له: لا تؤاخذني بما نسيت ولن أعود إلى مثلها، وائتمرت بأمره، ونضوت عني ثيابي،
5
وغطست في ماء العين ، فأحسست إثر ذلك كأن شيئا من أدران الإنسانية كان لا يزال يلتاط بي
6
ثم زال، وأبدلت من ثم بحالي الأولى أحسن حال، فقد كنت في الدنيا وقد رقت عظامي ونيفت على الستين،
7
فأصبحت في الأخرى ابن ثلاث وثلاثين، وقد كنت فيها جهما دميما جافي الطلعة مقبوح الخلقة،
8
فقد كان لي وجه كز أشوه كرشوم شنعنع،
9
يشق منظره على الحدق.
يفزع الصبية الصغار به
إذا بكى بعضهم فلم ينم
وكان لي مخطم أنافي كوجار الضب،
10
يا عجبا كيف احتملته في العاجلة، ما يربى على الستين سنة، وشفتان غليظتان هدلاوان كأنهما مشفرا بعير، أو طرا من فيل،
11
وثالثة الأثافي
12
أني كنت وقد مشت رواحلي وأجهد القتير في واشتعل الرأس شيبا،
13
وكفى بالشيب وحده عيبا.
يا من لشيخ قد تخدد لحمه
أفنى ثلاث عمائم ألوانا
سوداء حالكة وسحق مفوف
وأجد لونا بعد ذاك هجانا
14
آه، آهة الرجل الحزين من الشيب، ويا حسرتا على الشباب ... الشباب! وهل الدنيا غيره؟! هل الحياة بمطايبها ومناعمها تستطاب، إلا في أيام الشباب؟! وما متاع الدنيا إذا ولى المقبلان: الشباب والصغر؟! وما المجد والمال إذا أقبل المدبران، الشيب والكبر؟
لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها
من الشباب بيوم واحد بدل