تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

78

وحسبت الضياء قد هريق

79

عليه.

فكأنما لطم الصباح جبينه

فاقتص منه فخاض في أحشائه

أما عيناه فسوداوان، ولكن سوادهما كله نور، يريان الشيء البعيد في حلك الديجور.

80

يرى طامح العينين يرنو كأنه

مؤانس ذعر فهو بالأذن خائل

81

وأما أذناه فمؤللتان مرهفتان، كأنهما يراعتان محرفتان،

82

فكأنه مصغ لسماع الإذن بالسرى، من سائس لهما لا يرى، وأما متنه فلين الأعطاف، وطيء الأكناف، فإذا أنت امتطيته أصبت ليانا في ليان، فكأن ثمة نسبا بين عظامه والخيزران، وأما ذنبه فذيل العروس، وجناح الطاووس ، وأما حافره فالفيروزج زرقه، وهو على ذلك كله كالهواء رقه.

طرف تبين للبصير وغيره

فيه النجابة جاريا ومقودا •••

هذب في جنسه ونال المدى

بنفسه فهو وحده جنس

وهو إذا ما ناجاه فارسه

يفهم عنه ما تفهم الإنس •••

ملك العيون فإن بدا أعطيته

نظر المحب إلى الحبيب المقبل

وبعد أن امتطينا البراقين، طارا بنا في الجو طيرانا لست أدري ولا إخالني ماذا عسى أن يقال في وصفه، وهو معنى من المعاني ليس في وسع اللغة العبارة عن مثله، وإلا فهل يكفي أن تقول: باز هوى في إثر صيد من مرقب،

83

أو رجم انقض في إثر شيطان من كوكب،

84

أو كأن قد صار له من كل جارحة جناح، أو إذا جرى البرق خلفه كبا البرق وأخطأه النجاح،

85

أو دعوة المظلوم لا تكاد تخرج من فم الداعي حتى تصعد إلى الله ثم تحيق بالظلوم.

86

تفتح أبواب السماء لوفدها

إذا قرع الأبواب منهن قارع

أو هو ما يغزوه ابن هانئ بقوله يصف الخيل، وكأنه رأى البراق بظهر الغيب:

87

وأجل علم البرق فيها أنها

مرت بجانحتيه وهي ظنون

كلا، وكيف وما هو إلا رجع الطرف حتى رأيتني ونبي الله الخضر في عالم الأرواح، واقفين بباب الفردوس ودار الأفراح ... الله أكبر، ماذا أرى وأنظر، وفي يقظة أنا أم في منام، وهاتيك حقائق أم هي رؤى وأحلام؟ الحمد لله على سبوغ نعمته، وضفو نيله وعطيته، الحمد لله لقد أجزل لي في العطاء، ومنحني ما لم يمنحه غير الأنبياء، وسواء أكان ذلك في عالم الخيال أم في عالم الحقائق، وفي عالم اليقظة أم في عالم الرؤى الصوادق، فقد أتيح لي دخول الجنة قبل الممات، ورأيت كل ما فيها حقا، وهيهات ذلك لسواي هيهات. •••

حدث الأديب الثقة قال:

والآن، وقد آن لي أن أقص عليك سياحتي في جنات الفردوس، وأن أصفها لك وأصف كل ما رأيت فيها على حقه، فهل تترقب مني أكثر مما كان من ذلك الأعرابي الذي طرأ من البادية على حاضرة قد فهقت حضارة،

88

واستبحرت رفاهية وعمارة، وزخرت نعيما وترفا، واكتظت بدائع وطرفا، ثم حضر عرسا فيها لأحد السروات، فرأى شيئا لم تقع العين على مثله في الحواضر، بله البوادي البلاقع المقفرات،

89

ثم أريد على أن يصف ما رأى، فوصف ولكنه أضحك وما عدا،

90

وأين أنا على ذلك من الأعرابي الذي أذاب الفصاحة وأذابته، وأين عرسه من الجنان وما حوته؟ كلا، لا أين، ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر مدادا للكلام عن الجنة لنفد البحر قبل أن ينفد الكلام.

يفنى الكلام ولا يحيط بوصفها

أيحيط ما يفنى بما لا ينفد

وبودي كان، أن يكون ذلك في الإمكان، وأن يؤاتيني كما أشتهي وصف الجنان، فأجلو على أهل الدنيا معنى لو هو برز لهم لتزخرف له ما بين خوافق السماوات والأرض، ولاستحال جمالا غير الجمال ما بين طولهما والعرض، ولانجابت حلكة هذه الخاسرة، وحل محلها نور إلهي أبدي من نور الآخرة، كما ينجاب الشر بالخير، والضلال بالهدى، والمرض بالعافية، والنقمة بالنعمة الباقية، نعم، ولو أتيح لي أن أصف لك الجنة وأنا فيها، راتع بين أهليها، لأتيت لك بكلام علوي فردوسي ملائكي ككلام أهل الجنة إن لم يكن منطبقا كل الانطباق، فعسى أن يكون مقاربا، ولكني وا أسفاه! أحدثك بعد خروجي من الجنة، وتمرغي في أعطاف دنياكم هذه وهويي إلى هذا الحضيض الأوهد ... على أنه إن لم يكن صداء فماء،

الفردوس · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفردوسص ٤