تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

49

لا عليك يا أخي لا عليك، وليس إلا الخير صرفا ساقه الله إليك، وليهنئك ما أنت قادم عليه

50 ... فأنا يا أخي نبي الله الخضر ... وقد أمرت أن أستصحبك وأصعد بك اليوم إلى المحل الأرفع والملكوت الأعلى، إلى حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ... فقم يا أخي، قم ولا تن وخل الهوينا

51

للضعيف، واتبعني حيثما سرت، ولست أطلب إليك إلا أن تلزم الصمت، ولا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا ... •••

وما كاد نبي الله الخضر يتم هذه الكلمات حتى قرت العين، وانكشف الرين، وذهب الأين، وكأنما أنشطت من عقال،

52

فلا وربك: ما البرء بعد السقم، والخصب بعد الجدب، والغنى بعد الفقر، وما طاعة المحبوب، وفرج المكروب، والوصال الدائم، والشباب الناعم، بأحلى وأروح من هذه المنهاة، التي انتهت بها هذه المأساة:

53

ما زلت في غمرات الموت مطرحا

يضيق عني وسيع الرأي من حيلي

فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي

حتى اختلست حياتي من يدي أجلي

وبعد ذلك أحسست أنا الآخر كأنني استحلت إلى جسم نوراني شفاف، وأن مادة جثماني آضت إلى معنى روحاني، وما هو إلا كلا ولا، أو كحسو الطائر الماء وقد خاف الملا،

54

حتى زويت لنا الأرض،

55

ورأيتني ونبي الله في صحراء دوية براح قذف خلاء،

56

مطوقة أطرافها بآفاق السماء، واسعة الجوانب، مجهولة المذاهب، تغتال الخطى،

57

ويحار فيها القطا:

58

تجري الرياح بها حسرى مولهة

حيرى تلوذ بأطراف الجلاميد

في فسحة الظنون، بيد أنه تكبو دون غاياتها الخواطر وتخسأ الأبصار،

59

في روعة الخلود، وهل للخلود روعة أروع من ذا أو انبهار!

فضاء يرد العين حسرى

يقص جناح الفكر وهو محلق

ومفازة هائلة لا تسمع فيها لواطئ همسا، ولا لنابح جرسا،

60

وجو ساج سجسج،

61

وسحر طلق روح أبلج.

62

نسيمه كالراح لو يحتوى

والروح لو يعقد منحله •••

من نسيم كأن مسراه في الأر

واح مسرى الأرواح في الأجساد

وسماء زرقاء صافية، ونجوم كأنها في لجة هذا البحر دراري طافية،

63

أو أزاهر طلها الندى فهي ترف رفيفا،

64

أو قلوب لذعها الحب فهي لا تني خفوقا ووجيفا، أو هي مسامير أبواب الجنة تبص وتلتمع،

65

أو هي عيون الأبدية ترنو إلينا رنوات تهيب بنا أن نستحي ونرتدع،

66

أو هي ثقوب تخترق طباق السماوات العلى، فتشع منها أنوار الإله جل وعلا، والبدر منتصب بين هاتيك الكواكب، كأنه ملك بين أجناده والمواكب، وكوكب الزهرة تأتلق في روعة لمعته، فلولا التقى لقلت جلت قدرته، والجوزاء كفأرة تسبح، أو غادة ترقص في مسرح، والحوت يسبح في السماء كما يسبح بحذق في الماء.

وبنات نعش يشتددن كأنها

بقرات رمل خلفهن جآذر •••

ورنا إلي الفرقدان كما رنت

زرقاء تنظر من نقاب أسود •••

ولاحت لساريها الثريا كأنها

على الجانب الغربي قرط مسلسل •••

وسهيل كوجنة الحب في اللو

ن وقلب المحب في الخفقان

مستبدا كأنه الفارس المع

لم يبدو معارض الفرسان

يسرع اللمح في احمرار كما

تسرع في اللمح مقلة الغضبان

67 •••

وقد لاح فجر يغمر الجو نوره

كما انفجرت بالماء عين على الأرض

حتى إذا قوضت خيام الظلام، وفرت أسراب النجوم من حدق الأنام، لمحت على قيد خطوة

68

منا براقين، أبيضين يققين،

69

خيل إلي أنهما في انتظارنا، معدان لركوبنا، وكذلك كانا؛ فقد تدلف

70

إليهما نبي الله الخضر فامتطى أحدهما، ثم أشار إلي أن أمتطي الآخر، وما كدت أمتطي براقي حتى رأيت منه عفرية نفرية مرحا أرنا صلتان، كأنه كما قيل شيطان في أشطان،

71

يكاد مما يزدهيه صلفه يطير،

72

فكأنما لسعته الزنابير،

73

أو كأن الترب الذي يلامسه حسك السعدان

74

أو كأنما خالطت هامته الخندريس فهو معربد سكران،

75

أما البراق فهو الطرف نعم الطرف

76

وهو لعبقريته يكاد يستغرق الوصف، وحسبه أنه ركوبة الأنبياء، لا يعرج بهم غيره إلى السماء، وأنت فإذا نظرت منعما

77

إليه، خلت الثريا طالعة بين عينيه، وتوهمت الجوزاء في رسغيه،

الفردوس · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفردوسص ٣