تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والله سبحانه هو الموفق إلى إتمام هذا العمل، وأن يجعل القبول حليفه، ورضا الناطقين بالضاد عنه أليفه، إنه سميع الدعاء، وهو حسبي ونعم الوكيل.

عبد الرحمن البرقوقي

ربيع الآخر سنة 1359ه/مايو سنة 1940م •••

حدث أديب ثبت

16

ثقة قال:

إني لفي بيتي ذات ليلة من الليالي، وقد تزويت في زاوية من السرير،

17

وبالقرب مني مصباحي الإضحيان المنير،

18

ثم أخذت أنزه النفس، وأجلو صدأ الحس، في روضة من رياض الكتب والأسفار، ونزهة من نزه الأدب والآثار، أجتلي أنوارها،

19

وأجتني من كثب أثمارها،

20

وأتفيأ ظلها الوارف الظليل،

21

وأنسم روحها الندي العليل،

22

ويرتع قلبي من جنباتها في مرتع خصيب، ويكتسي لبي من أوراقها بثوب من الحكمة قشيب،

23

وأنفي الهم برحيق كوثرها عن ساحة صدري،

24

وأكرع من جداولها العذاب النطاف وهي بين سحري ونحري،

25

وأستشفي بترياقها من علل هذا الناس وأدوائه،

26

ومن بلايا هذا العالم المنكوس وأرزائه.

27

عالم أشبهوا القرود ولكن

خالفوها في خفة الأرواح •••

يحسن مرأى لبني آدم

وكلهم في الذوق لا يعذب

ما فيهم بر ولا ناسك

إلا إلى نفع له يجذب

أفضل من أفضلهم صخرة

لا تظلم الناس ولا تكذب •••

عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى

وصوت إنسان فكدت أطير

وما زلت في هذه الروضة الذهنية، وهاتيك النزهة الروحية العلوية، إلى أن شمر الدجى للرحيل الذيل، وكاد النهار يصيح بجانب الليل.

28

وقد فكت الظلماء بعض قيودها

وقد قام جيش الليل للفجر واصطفا

وكان البيت لا يحتوي أحدا غيري، فكان الصدر وكنت في طيه السر المكتم، وكان الحامل العشراء وكنت الجنين غير التوأم،

29

وكان الجفن وكنت فيه السلاح،

30

وكان السحاب المركوم، وكان مصباحي البارق اللماح.

31

وإني لكذلك؛ إذ طرق باب غرفتي طرقا خفيفا، ثم قرع بعد هنية طرقا عنيفا، فانتبهت مما أنا فيه، ومشى قلبي في صدري حتى شاع الذعر في جميع نواحيه، وقلت في نفسي: ترى من بالباب؟! ومن الطارق المنتاب؟!

32

أملك كريم، أم شيطان رجيم؟ وانثالت الهواجس على قلبي انثيالا،

33

وتقاطرت الوساوس على صدري أرسالا،

34

وإني لمرتطم في هذه الغمرة،

35

وغاشية هاتيك السكرة،

36

إذ تحرك الباب في سكون، وفتح في رفق ولين حتى لا تكاد تحس اختلاجه الظنون،

37

ثم اقتحم الغرفة شبح نوراني، مفرغ في قالب إنساني، يسطع النور حواليه، ويرفرف روح الجلال والروعة عليه:

فتى روحه روح بسيط كيانه

ومسكن ذاك الروح نور مجسد

صفى ونفى عنه القذى فكأنه

إذا ما استشفته العيون مصعد

38 •••

تنفذ العين فيه حتى تراها

أخطأته من رقة المستشف

كهواء بلا هباء مشوب

بضياء أرقق بذاك وأصف

فلا تسل بعد ذلك عما دهاني، فقد قبعت كالقنفذ في مكاني، وبراني الرعب حتى لتقتحمني العين ولا تكاد تراني، وتقلصت من الفم الشفتان، وكادت تنقطع نياط الجنان

39

ونال مني الخوف حتى أحالني عرضا،

40

بعد أن أوسعني حرضا،

41

وفغر الموت فاه،

42

وكادت تطير من جسمي الحياة، ولم يبق في إلا نفس خافت، وعين إنسانها باهت:

43

روح تردد في مثل الخلال إذا

أطارت الريح عنه الثوب لم يبن

وجملة القول أني استحلت إلى حال:

يكاد وجيب قلوب الرجال

من خوف مكروهها يسمع

44 •••

لقد خفت حتى خلت أن ليس ناظر

إلى أحد غيري فكدت أطير

وليس فم إلا بسري محدث

وليس يد إلا إلي تشير

ثم لمحت الخيال وقد أخذ يتخطر في الغرفة بين جيئة وذهوب وغدو ورواح، وبعد خطوات معدودات وقف الخيال، وانتصب أمامي انتصاب التمثال، واستقبلني كما يستقبل المصلي الإمام، أو بيت الله الحرام، ثم حدقني مبرقا بعينيه، وأتأر إلي - ساهم الوجه - ناظريه،

45

ولحظته وكأنه أشفق علي وخاف إن هو مضى في صمته هذا أن أفيظ،

46

وألفظ النفس الأخير، فأخذ يليح بيديه إلاحة يريد أن يفرخ روعي،

47

ويميت خيفتي، ثم رأيته يترمرم،

48

وأذنت من ناحيته صوتا خفيتا رفيقا كأنه خفق النسيم في السحر:

الفردوس · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفردوسص ٢