122
والعيص الأشب، والفعال الموروث والمكتسب،
123
لا تلين قناتهم لغامز،
124
ولا تتهضم نفوسهم لظالم،
125
ولا تتعاظمهم جبورة محتل،
126
أو كانوا على الأقل ممن يكرمون أنفسهم ويتجافون بها عن مواطن الهوان، أو كانوا مخلصين لهذه الأمة آبهين لها، لما بالوا - وربك - بالغاصب، ولمضوا قدما فيما فيه صلاح بلادهم مهما لاقوا في هذا السبيل، ولو أن كل رئيس كان هكذا لرجع الغاصب أدراجه، وتأخر أخرا في سبيل طماعيته، ولكن أكثر الرؤساء في مصر - إلا من هدى ربك - سواسية كأسنان الحمار، أو كحماري العبادي، وقد قيل له: أي حماريك شر؟ فقال: هذا ثم هذا:
127
خلق إذا حدثت عن أخلاقها
فكأنما كشفت عن سوآتها
متراهنين على الدنية أحرزوا
غاياتها وتناهبوا حلباتها
ورثت نفوسهم خبائث أصلها
لؤما وزادت دقة من ذاتها
وملثمين على النفاق بأوجه
صم يصيح اللؤم في جنباتها
ومن هنا كان طمع الغاصب في هذه الأمة، وتهالكه عليها. •••
قال الأديب: وهنا قال الشيخ محمد عبده: وثمة شيء آخر يكشف لك سرا من أسرار فشل هذه الأمة وذهاب ريحها؛ إذ تنزو إلى الخلاف والنزاع والشقاق، ذلك أن جمهرة الشرقيين وخصيصى المسلمين منهم، حديدو العواطف مشبوبو المشاعر، فإذا ما أحبوا أغرقوا في الحب حتى يبلغوا النهاية، وإذا ما أبغضوا أوفوا في البغض على الغاية، لا يلوذون في تصاريفهم إلى ركن من الحجا ركين، ولا يعتصمون لدى الحفيظة بعاصم من الخلق والدين، ليسوا إذا عد الدهاة في العير ولا في النفير،
128
فكأن حلومهم نفخت فيها الأعاصير، يعوزهم ضبط النفس إذا صرح الشر، وترك الهوى إذا أمكن الأمر، بينما الأغيار وخصيه الشعوب الآرية، ولا سيما القادة وذوو الرئاسة وأولو الأمر منهم والمتصدون لسياسة الأمم، يحكمون عقولهم على قلوبهم، ويؤثرون مرافقهم على أهوائهم، ذوو رأي وتدبير وبصر بأعقاب الأمور، وأناة لا يطير الجهل في جنباتها، ولا ينزل الطيش بساحة من ساحاتها، وبذا بذوا الشرقيين، وأضحى هؤلاء لهم مسودين، ولو شاء الشرقيون أن يداركوا أمورهم، لداووا بكل الأشافي ألبابهم:
لولا العقول لكان أدنى ضيغم
أدنى إلى شرف من الإنسان •••
وإذا الرياسة لم تعن بسياسة
عقلية خطئ الصواب السائس
ثم قال الشيخ محمد عبده: وهذا على الرغم من أن الإسلام الذي يدينون به، ويزعمون أنهم مستمسكون بأدبه، كثيرا ما نهى عن اتباع الهوى، وحض على الاستمساك بالعقل والنهى، فقد اكتظ كتاب الله وأحاديث المصطفى - صلوات الله عليه - وما أثر عن السلف الصالح، من التنويه بالعقل والإشادة بذكره، والحض على اللجوء إليه، والاعتماد في سائر الأمور عليه، والكياسة، وحسن السياسة، والاعتصام بالتقوى، بما لا يعد ولا يحصى، وحسبهم قول الله جل شأنه:
ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ، والهوى كل ما تهواه النفس وتصبو إليه مما لا يتفق والعقل والنهى ... وقال - ولله المثل الأعلى - يعير قوما ويشنع عليهم ويسفههم ويصغي إناءهم:
129
إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس
ويقول سبحانه في مواضع من كتابه الكريم:
أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم
وقال:
لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير ،
ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ،
خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين . إلى كثير من هذه الآيات الكريمة التي يزخر بها كتاب الله ... وكان المصطفى - صلوات الله عليه - إذا بلغه عن إنسان عبادة قال: كيف عقله؟ فإن قالوا عاقل، قال: ما أخلقه أن يبلغ، وإن قالوا: ليس بعاقل قال: ما أخلقه أن لا يبلغ. وقال: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه كان حتفه في أغلب خصال الخير عليه ... وقال: اعص هواك والنساء وأطع من شئت. وقال عليه السلام: ألا أخبركم بأحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا،