تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

130

الذين يألفون ويؤلفون، ألا أخبركم بأبغضكم إلي وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة: الثرثارون المتفيهقون ... وقال في معنى القصد في الأمر، وأن لا يغلو المرء في الحب والبغض: أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما.

ولم لا يقول هذا والكثير الكثير من أمثاله من أدبه ربه فأحسن تأديبه؟ ويقول له وهو أصدق القائلين:

وإنك لعلى خلق عظيم .

ولو أن المسلمين تدارسوا سيرة الرسول ووقفوا على شمائله الكريمة وأخذوا إخذه، وحذوا حذوه، واهتدوا بهدايته، وفطنوا إلى مرامي سياسته، لكان منهم أكبر ساسة، ولسادوا العالم وناسه، كما كان من خريجيه وتلاميذه الصديق والفاروق وذي النورين وأبي تراب، وابن أبي سفيان

131

وسائر صحابته، وتابعيهم من المستنين بسنته، أولئك الذين أنعم الله عليهم، ونشئوا في حضانة صفيه وخيرته من خلقه، رضوان الله عليهم أجمعين. •••

قال الأديب الثقة: ولقد أنبهتك غير مرة إلى أن لغة أهل الجنة، غير لغة دار المحنة، ومن ثم كان كل ما أعزوه في هذا الحديث من القول إلى قائليه من أهل دار السلام أشبه بالمنقول من لغة إلى لغة، ولكن لا كالحسناء وخيالها في المرآة، لا، ولا من قبيل المترجم من لغة إلى لغة تضارعها أو تقاربها رفعة وسناء، أو أن المترجم يداني القائل الأصلي بلاغة وأداء، ولكن إذا كان لا بد من التشبيه فأشبه شيء بذلك - وللجنة ومن فيها المثل الأعلى - أن تعمد إلى رجل من العامة صلد الذهن، أغلف القلب، ران عليه الغباء

132

فتسمعه إحدى أوابد شوقي

133

وتقفه على مراميها، ثم تستعيده ما سمع وانظر ما أنت سامع ... ولقد أذكرني هذا التشبيه ما كان بين المعتمد بن عباد، أحد ملوك الطوائف بالأندلس، وبين يوسف بن تاشفين البربري ملك مراكش، وذلك أن ابن عباد أرسل إلى ابن تاشفين رسالة تمثل فيها ببيتي ابن زيدون:

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا

شوقا إليكم ولا جفت مآقينا

حالت لفقدكم أيامنا فغدت

سودا وكانت بكم بيضا ليالينا

فلما قرئ عليه هذان البيتان قال للقارئ: يطلب منا جواري سودا وبيضا! قال القارئ: لا يا مولاي، ما أراد إلا أن ليله كان بقرب أمير المسلمين نهارا؛ لأن ليالي السرور بيض، فعاد نهاره ببعده ليلا؛ لأن ليالي الحزن ليال سودة ... فقال: والله جيد، اكتب له في جوابه: إن دموعنا تجري عليه ورءوسنا توجعنا من بعده ... وكذلك شأني في وصف الجنة وكلام أهليها، بعد هبوطي إلى الدنيا وتمرغي فيها، وما حيلتي وقد كانت مرآة ذهني وأنا في الجنة، أسمع كلام أولئك الجلة، كأنها الوذيلة المستوية صفاء وصدقا وبلاغا،

134

فلما غادرتها وظننت أني سأقص لذلك عليك أحسن القصص، وأروي لك ما سمعت كما هو دون أن أخرم منه حرفا، أو أن أحيف عليه حيفا،

135

رأيت هذه المرآة وقد آضت مقعرة حدباء، فأنى لك بعد هذا إلا أن تسمع هذه الأحاديث محرفة شوهاء، ولا غرو فليس في الدنيا مما في الآخرة إلا الأسماء، أما المسميات فبينها من التفاوت ما بين الأرض والسماء! بيد أنه - كما قلنا - إن لم يكن صداء

136

فماء، وإن لم يكن خمر فخل، وإن لم يصبها وابل فطل، ومن لم يجد ماء تيمما، فتفطن دائما لذلك ولا تخله قط من بالك.

| هوامش

| مأدبة جامعة في قصر الشيخ محمد عبده بالجنة

حدث الأديب الثقة قال:

وتعلم - علمت الخير - أن أهل الجنة يتزاورون ويدعو بعضهم بعضا، كأهل العاجلة؛ توفيرا لأنسهم، وتتميما لمسراتهم، قال جل وعز:

وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين * فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم * إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم ،

فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول أئنك لمن المصدقين * أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون * فاطلع فرآه في سواء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين * ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين .

الفردوس · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفردوسص ١٦