تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

110

ومنهم من قد ضربت فيهم نساؤهم بعرق ذي أشب،

111

فإذا هم تولوا أمر مصر تداركتهم أعراق سوء، ونزت قلوبهم إلى إيذائها وكانوا حربا للمصريين

112

وعونا للغاصب عليهم. ولقد خالطت في العاجلة كل جالة من الجالات

113

في مصر على تنوعهم وتعددهم فوجدتهم جميعا، حتى المسلمين منهم، حتى أحط الطوائف - إلا من طاب غرسه، وكرمت نفسه - يحملون الحقد والاحتقار معا للمصريين، برغم أنهم يتقلبون في نعمائهم، وهذا من غريب طبائع البشر؛ إذ لست أدري لذلك سببا سوى كرم المصريين، وأن الكرام مشاغل السفهاء:

وأني شقي باللئام ولا ترى

شقيا بهم إلا كريم الشمائل

حفني ناصف: نعم، ومساكين هم الأخيار، وويل لهم من الأشرار، فالأشرار لا يعجبون إلا بالأشرار ولا يحفلون بالأخيار، بلى! وتراهم مع ذلك مولعين بهم وبإيذائهم، والأصل في هذا أن حال الأخيار الكرام أهل الوفاء والمروءة والشهامة ناصعة نيرة واضحة وضوح النهار المستطير في رونق الضحى، أما الأشرار اللئام فشأنهم الغموض واللبسة

114

والإبهام، شأن الليل ذي الظلم والدجى، والمجهول أبدا مخوف مهوب مرهوب، ومن ثم نرى الناس لا يخافون إلا من كان هذا شأنه، فضلا أنهم يكبرونه ويبقون على وده، ولا جرم أن الشر لا يدفعه إلا الشر، والحديد بالحديد يفلح،

115

والشهرة بالملاينة والخير شر من الاشتهار بالغلظة والشر؛ لأن من عرف بأخي الشر اجترأ عليه الناس، ومن عرف بأخي الخير هابه الناس وتجنبوه،

116

ورحمة الله على الفاروق إذ قيل له: فلان لا يعرف الشر ... فقال: ذاك أوقع له فيه ... أو ما هذا معناه، وبعد: فإن أكثر هذا الناس لئيم قد طبع على ضرائب من اللؤم، ومن ثم كان جديرا بالمرء يهمه الاحتفاظ بنفسه وبعرضه

117

ودينه وماله وبلاده أن يمزج كرمه باللؤم، وخيره بالشر، وعقله بالجهل، ويضع كل شيء موضعه، ويقر الأمور في نصابها، وإلا استأسد عليه الناس وتذاءبوا، وطمعوا فيه وتكالبوا:

من ظلم الناس تحاموا ظلمه

وعز عنهم جانباه واحتمى

وهم لمن لان لهم جانبه

أظلم من حيات أنباث السفا

118

قال الأديب: فقلت: ومن العجب العجاب أن الكلمة الآن هي كلمة الشعوب، فقد أصبحت حكومات العالم كلها أو جلها شورى، وصار لها مجالس نيابية بيدها الحل والعقد والهيمنة على الملوك والحاكمين، وجاء دور مصر بأخرة فأصبح لها «برلمان» لم يظفر به المصريون إلا بعد أن خضبت أيديهم بالدماء، وبذلوا في سبيله حر المال والذماء،

119

وعلى الرغم من ذلك ومن أن المصريين، وهم في الروابي من الشعوب

120

وأعرقهم في الحضارة وأسبقهم إلى المجد والسؤدد، وأرسخهم قدما في العلم والعرفان، ودينهم دين الحرية الصريحة، والمدنية الصحيحة:

قومي استولوا على الدهر فتى

ومشوا فوق رؤس الحقب

عمموا بالشمس هاماتهمو

وبنوا أبياتهم بالشهب

قد قبسنا الملك عن خير أب

وقبسنا الدين عن خير نبي

فكانوا لذلك أحق من غيرهم بالبرلمانات، وبما هو أكثر من البرلمانات، ولكن على الرغم من ذلك كله، ومن أن برلمانهم لم يترعرع بعد، ولم يشب عن الطوق، مال عليه هؤلاء الرؤساء، أو هؤلاء الأعداء، وعبثوا به عبث النكباء بالعود،

121

وتمادوا في طغيانهم يعمهون، فانعكست بذلك الآية، وأسلمتنا البداءة للنهاية، وانقلب المهيمن مهيمنا عليه، وكأن البرلمان لعبة يلعب بها لا حكم يحتكم إليه، ولا ذنب للبرلمان في هذا سوى أنه أوشك أن يقوم بمهمته خير قيام، وأن يحاسب الحساب العسير هؤلاء الحكام:

إذا محاسني اللائي أدل بها

كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر؟

إبراهيم المويلحي: إذن لا بد من أن الغاصب يعضد هؤلاء الرؤساء، ويحوطهم ويغريهم بهذه الأمة السيئة الحظ:

وكيف يخشى صولة الذئب من

قد جعل السبع له عدة

محمد فريد: بيد أن هؤلاء الرؤساء لو كانوا من الطراز الأول ذوي الشرف والنبل والإباء، والعزة القعساء،

الفردوس · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفردوسص ١٤