لحاها الله أنباء توالت
على سمع الولي بما يشق
تكاد لروعة الأحداث فيها
تخال من الخرافة وهي صدق
وألا دريت أن من استأثر الله بهم، وانتقلوا إلى جوار ربهم، يسرون ويساءون بكل ما يعمل أهل الدنيا ممن يمت إليهم بسبب واصل؟ فإذا كان لك صديق، أو شقيق، أو أب شفيق ، أو أم رءوم، أو ابن بار، أو مواطن تثنيه عليك عاطفة الجوار، ثم سبقوك إلى الباقية، وأنت لا تزال ترتع في الفانية، فلتعلمن أن سيرتك تؤثر فيهم، وسلوكك يرد عليهم: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، فلا تخزوا أيها الناس موتاكم، بقبح ما يأتيهم من مأتاكم ...
قال الأديب: وبعد أن سكت الجماعة شيئا، سكوت سخط، لا سكوت رضا، قال الشيخ محمد عبده: أعوذ بالله من السياسة، ومن لفظ السياسة، ومن معنى السياسة، ومن كل حرف يلفظ من كلمة السياسة، ومن كل خيال يخطر ببالي من السياسة، ومن كل أرض تذكر فيها السياسة، ومن كل شخص يتكلم أو يتعلم أو يجن أو يعقل في السياسة، ومن ساس ويسوس، وسائس ومسوس.
مصطفى كامل: وأعوذ بالله من الرئاسة، وحب الرئاسة، فهي أصل البلاء، في عالم الفناء:
بلاء الناس مذ كانوا
إلى أن تنهض الساعه
طلاب الأمر والنهي
وحب السمع والطاعه
محمد فريد: نعم، وكل ما تلقاه الشعوب، من الآلاقي
89
والكروب، فمأتاته
90
ذوو الرئاسة والسلطان ومن لف لفهم،
91
وبخاصة في الشرق وبالأخص في مصر، فهم - كما يرى - يغمطون الشعوب،
92
ويستهزئون بها، ولا يقدرونها حق قدرها، برغم أنهم ليسوا إلا خدامها، أقامتهم لإنفاذ مشيئتها، والقومة على مصالحها وخفارتها، فإذا هم قصروا وانحرفوا عن الجادة كانوا غير أهل لما أسند إليهم، وبالتالي استحقوا الطرد والتنكيل بهم والتمرد عليهم. على أن الشعوب قد تملي للظلمة من حكامها، وترخي لهم الطول،
93
ولكنها إذا قالت رددت قالها الأقدار، وإذا استغضبت كان غضبها الحديد والنار:
إن ملكت النفوس فابغ رضاها
فلها ثورة وفيها مضاء
يسكن الوحش للوثوب من الأس
ر فكيف الخلائق العقلاء •••
ظلموا الرعية واستجازوا كيدها
وعدوا مصالحها وهم أجراؤها •••
تخذتكم درعا وترسا لتدفعوا
نبال العدا عني فكنتم نصالها •••
كمتق لفح نار يستعد له
بالجهل درعين من قار وكبريت
إبراهيم المويلحي: إن الرياسة في الأعم الأغلب، تحيل طباع الناس، وإنها لمفسدة للأخلاق أي مفسدة، فبينا ترى الرجل قبل الرياسة نبيل النفس، سري الأخلاق، محمود الشمائل، عفيف الإزار، خفيفا من الأوزار،
94
مؤدما مبشرا إدام قومه،
95
قد تتسعر جوانبه حماسة وطنية، وتطير برأسه نعرة قومية،
96
إذا به بعد أن تأتيه الرئاسة وقد انقلب سوء منقلب، فنضا عنه ثوب التقى ولبس لقومه جلد النمر، وقلب لهم - كما يقولون - ظهر المجن،
97
وأجدب قلبه،
98
وصلدت أخلاقه،
99
وبلد إحساسه،
100
وبردت عواطفه، ولبس أذنيه،
101
وأخذ يعثر في سيره عثرات يدمى منها الأظل،
102
ويدحض دحضات تخرجه إلى سبيل من ضل،
103
فكأن الرئاسة «معمودية» إبليس،
104
من عمد بها فصار رئيسا، انقلب شيطانا نجيسا، وآض صلا في مسلاخ إنسان،
105
وحرباء ذا أشكال وألوان.
106
كأبي براقش كل لو
ن لونه يتخيل
107
كان عبد الملك بن مروان يسمى حمامة المسجد، للزومه المسجد الحرام، فلما أتاه الخبر بخلافته كان المصحف في حجره فوضعه، وقال: «هذا فراق بيني وبينك.» وقد قال يوما: «إني كنت أتحرج أن أطأ أنملة، والآن يكتب الحجاج إلي في قتل فئام
108
من الناس فما أحفل بذلك.» وقال له الزهري يوما: بلغني أنك شربت الطلاء،
109
فقال: إي - والله - والدماء. ومما يؤثر عنه قوله: عجبت للسلطان كيف يحسن، وإذا أساء وجد من يزكيه ويمدحه! ... وإن في ذلك لعبرة لمن اعتبر.
أحمد فتحي زغلول: ومما ابتليت به مصر على الخصوص في رؤسائها أن أكثرهم ليس بينهم وبين المصريين آصرة وطن، فجلهم دخيل ينمي إلى أصل غير مصري، فمنهم عبيثة من الأقوام ولويثة، ما يعرف لهم مضرب عسلة،