67
التي فعل أبونا آدم في الجنة بعد أن خدعه إبليس خدعة الصبي عن اللبن، وهنا قال إمام العبد وهو يضحك كما كان في الدنيا: كله من أكلة التين!
68
فيا لك أكلة ما زال منها
علينا نقمة وعليه عار
69
واستمر المويلحي في حديثه قال: فكأن ما يكابده الناس في دار الهموم والأحزان تكفير لتلك الفعلة، وكأن الدنيا لذلك بيمارستان مجرمين
70 ... قال الأستاذ الإمام: وماذا كانت تكون الحياة لو أن كل شيء فيها كان طيبا وكانت خالصة لا يشوبها شوب من الأكدار! إنها تكون في هذه الحالة أشبه بحلبة السباق والمتسابقون واحد ليس معه من يسابقه، وإنها لحكمة بالغة تلك الشدائد والأهوال التي يلاقيها الناس في الخاسرة، إذ لولاها لما كان للحياة معنى، وكما أنه لولا ضغط الهواء على جسم الإنسان لانصدع وتمزق، كذلك الحال لو يعرى الناس من الشدائد، ويصبحون موفقين في كل ما يعالجون، لا جرم أنهم يصيرون إلى الخرق والطيش والحماقة، وقد يعروهم الخبال والجنون، وحالهم في ذلك تشبه سفينة تسير في خضم عجاج، مغتلم الأمواج دون أن يكون بها صابورة،
71
أو ما يغني غناءها، لا غرو أن يجن جنونها خفة وطيشا ... قال حفني ناصف: وبضدها تتميز الأشياء، فلو لم يكن ثمة ألم وترح، لما طعم بنو الدنيا اللذاذة والفرح:
والحادثات وإن أصابك بؤسها
فهو الذي أنباك كيف نعيمها
على أن للأحزان أثرا صالحا محسا في صقل النفوس وجلاء صدائها، وإشباع العقول ورجحانها، وتهذيب الأخلاق واتزانها، مثلها في ذلك مثل بوتقة الصائغ وكيره، يبقيان على الذهب المحض، وينفيان الخبث والرنق،
72
وألم تر إلى الفحم متى ضغط صار ماسا، وإلى الصفر المجهود كيف يئول ذهبا زلالا بعد إذ كان نحاسا:
73
لقد هذبتك الحادثات وربما
صفا الذهب الإبريز قبلك بالسبك
على أن ثمة من الفضائل ما لا يثير دفائنه، ويظهر مضمره، وينثر كنائنه، سوى النوازل والآلام، كالنار يوريها القدح، والطيب يذيعه السحق، ومن هنا كانت هذه الآية العبقرية الحكيمة الخالدة: إن الله لا يحب الفرحين، ومثلها توأمتها كلمة السيد المسيح: طوبى للمحزونين.
حدث الأديب الثقة قال:
وهنا أمكنتني الفرصة، فما كذبت أن اهتبلتها،
74
فقلت: أما والأمر كما تقولون، والشر والخصام لا مندوحة عنهما في الخاسرة، والخير والسلام لا يكونان إلا في الآخرة، فقد تركت الخلاف السياسي بين المصريين
75
وقد بلغ أشده، وجاوز حده، فقد تفرقت كلمة القوم بعد أن نزغ الشيطان بينهم،
76
وتمشت فيهم حميا الضغائن والإحن،
77
وذهب الخلف بينهم كل مذهب، حتى كادت ريحهم تذهب،
78
فتهانف بهم الغاصب،
79
واتخذهم سخريا، وفغر فاه طماعية فيهم، ونشر أذنيه بعد أن ضرب على أيديهم،
80
والقوم ماضون على غلوائهم،
81
متدفقون في طغيانهم، وأنت تعلم أن الإحن،
82
تجر المحن، ومن ثم رفع البلد، في كبد،
83
وديس برلمانه، وسلخ منه سودانه، وعطلت المرافق، واعوجت الخلائق، والتأث
84
على القوم الأمر، وانتشر الرأي وابذعر، وبقيت الأمة في داهية إده،
85
ولقيت من هذا الأمر كل شدة، وبالحرى التوت الحال وتصعبت، بعد أن لانت وتسهلت، وبعد أن ذللت غصونها، وتدانت قطوفها، ولما
86
وكأن قد ... بفضل تلك الثورة المباركة والاتحاد المقدس، الذي تم بين رجالات مصر ...
87
أولئك الزعماء الذين حفت بهم ملائكة الخير، وطردت من ساحات صدورهم شياطين الشر، واصطلمت من أحشائهم جراثيم الشقاق،
88
فأصبحت سوحهم فراديس تغص بالملائكة، لا يصدر عنها إلا كل ما هو خير، وكل ما هو جميل:
صوت الشعوب من الزئير مجمعا
فإذا تفرق كان صوت نباح
ولما انتهيت إلى هذا الموضع، قال مصطفى كامل: هلا فصلت ما أجملت! فما كان مني إلا أن فصلت وأكملت، وشرحت أطوار المسألة المصرية، وموقف المصريين حيالها في ثماني سنوات تبتدئ من سنة 1919 وتنتهي سنة 1927 لميلاد السيد المسيح صلوات الله عليه، فدهش الجماعة أيما دهش، وأطرقوا أسفا واكتئابا يشبه اكتئاب أهل الدنيا وليس به، والوصف يقصر عنه: