تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

52

وحاولت التملص والانفلات، والإقالة من هذه العثرات ... قلت: وما تسآلكم عن أشياء إن تبد لكم عسى أن تسوءكم، ولقد أراحكم الله من الخاسرة وأباطيلها، وأم دفر وأفاعيلها،

53

وأصاركم إلى ما أنتم فيه من نضرة النعيم والترفيه! على أن أكثر ما سألتموني عنه لست من ليله ولا سمره،

54

فلقد كنت في العاجلة أمقت السياسة كل المقت وأجتوي الاشتغال بها وبأهلها، وكنت أراها ضربا من التبطل واللهو

55

وعمل من لا عمل له ... ولقد كان الجدل - وبخاصة في السياسة والدين - من أبغض الأشياء إلي وأبعدها في رأيي عن اليقين:

لذوي الجدال إذا غدوا لجدالهم

حجج تضل عن الهدى وتجور

وهن كآنية الزجاج تصادمت

فهوت وكل كاسر مكسور

وكنت في الحياة الدنيا لا أدريا،

56

وكنت أرى أن كل شيء ثمة فيه عنصر من الحق وعنصر من الباطل، وجانب من الخير وجانب من الشر، ومسحة من جمال الصدق وشية من قبح الكذب،

57

ورأيت العالم شرقا بالشرور جياشا بالآثام

58

مذ هبط أبونا آدم من الجنة، وقتل قابيل هابيل، إلى هذا الحين، ولم تصلح على مر الزمان حاله، وربما زاد فسادا وجن ضلاله، ولم يفلح فيه إرشاد الأنبياء ولا حكمة الحكماء ولا وعظ الواعظين ولا نصح الناصحين:

كم وعظ الواعظون منا

وقام في الأرض أنبياء

فانصرفوا والبلاء باق

ولم يزل داؤنا العياء

59

حكم جرى للمليك فينا

ونحن في الأصل أغبياء •••

إذا كان علم الناس ليس بنافع

ولا دافع فالخسر للعلماء

قضى الله فينا بالذي هو كائن

فتم وضاعت حكمة الحكماء

ومن جراء ذلك كله كانت خطتي في العاجلة إنما هو غدو لمعاد، أو إصلاح لمعاش، أو فكر أقف به على ما يصلحني مما يفسدني، أو لذة أستعين بها على الحالات الثلاث، وكنت أشبه بما وصف به ابن المعتز نفسه، إذ يقول:

قليل هموم القلب إلا للذة

ينعم نفسا آذنت بالتنقل

فإن تطلبه تقتنصه بحانة

وإلا ببستان وكرم مظلل

ولست تراه سائلا عن خليفة

ولا قائلا: من يعزلون ومن يلي

ولا صائحا كالعير

60

في يوم لذة

يناظر في تفضيل عثمان أو علي

ولكنه فيما عناه وسره

وعن غير ما يعنيه فهو بمعزل

ثم قلت: ولكني سائلكم بادئ ذي بدء

61

عن هذا الوئام، الذي أرى بين مصطفى كامل والأستاذ الإمام، بعد أن يبس الثرى بينهما في دار المحنة،

62

قال الأستاذ الإمام: ألا تعلم أنه متى يدخل أهل الجنة الجنة يمسح الله ما بهم بعضهم من بعض، فلا يبقى في صدر أحد حسيكة على أحد ولا ضغن ولا إحن،

63

ويعود ما بينهم مشرقا مثريا مونقا، وهل نسيت قول الله جل شأنه يصف أهل الجنة:

ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين * لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين ؟ قلت - والشيء يذكر بالشيء - ولماذا مني العالم في العاجلة بالخلاف والشقاق، وعلام كل هاتيكم الأحقاد والحزازات، والشرور والإساءات، والمصائب والآفات. قال الأستاذ:

ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين

قال عبده الحامولي: ولم لا يكون الاختلاف في الحياة الدنيا بين الأفراد والجماعات إنما يقصد به إلى معنى نبيل حلو جميل، ما منه بد! ألسنا قد نشئنا كأنغام الموسيقى، هي وإن اختلفت غير أن مجموعها يؤلف من هذا الاختلاف نغما موسيقيا منسجما بديعا يطرب السمع ويملك على المرء مشاعره؟ قال الشيخ حسن الطويل: هذا الخلاف يرجع إلى الحكمة البالغة في إيجاد الخير والشر. قال أحمد فتحي زغلول: ويرجع إلى طبيعة البشر. قال محمود سامي البارودي: تلك الطبيعة التي خلقها الله من صلصال من حمأ مسنون،

64

ولله علي بن العباس إذ يقول:

اعلم بأن الناس من طينة

يصدق في الثلب لها الثالب

65

لولا علاج الناس أخلافهم

إذن لفاح الحمأ اللازب

66

وقال إبراهيم المويلحي: أما مرجع كل المصائب والآلام التي يعانيها العالم في الدنيا فهو تلك الفعلة البارحة

الفردوس · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفردوسص ١١