جمال الدين وقال: إن العمل كفر والرضى به كفر، وجعل يشنع عن جمال الدين، وسمعت
أخيرا من السيد بديع بك المؤيد العظم - وهو من أعرف الناس بأخبار الآستانة ورجالتها في
العهد الحميدي - قال: إن السلطان أنعم على السيد برتبة «قاضي عسكر»، وأحضرت إليه
شاراتها؛ جبة فضفاض ملونة، وزينة للصدر والرأس مذهبة. ولما أخبر السيد بالإرادة
السلطانية وطلب منه أن يقوم إلى حيث يلبس هذه التشريفة أبى وقال للرسول: قل
لمولاي السلطان: إن جمال الدين يرى أن رتبة العلم أعلى الرتب، وبعضهم يروي أن جمال أجاب
بقوله «إنه لا يريد أن يكون كالبغل المزركش» معرضا بالسيد الصيادي الذي بلغ من
رتب الدولة أعلاها، ونال من زينة المراتب أثمنها وأغلاها. •••
وبعد وصولي إلى الآستانة بأيام، وقبل أن أتصل بالسيد الأفغاني، كانت تقع عيني أحيانا
على رجل غريب الزي، جذاب الملامح، ممتلئ الجسم إلى قصر، أسمر اللون، أسود
الشعر، خفيف العارضين، له لمة مسترسلة إلى شحمة الأذنين، يلبس لبوس علماء الأتراك، جبة
سوداء غير سابغة الطول، وعمامة بيضاء مختلفة في تكويرها عن عمائم علماء الآستانة، علمت
أخيرا أنه هو السيد الأفغاني، وجعلت أتهيأ لزيارته، والاهتمام بأمر مقابلته،
وقد لحظ مني هذا الاهتمام بعض معارفي من التجار السوريين فقال: «حضرت بعض المجالس في
الآستانة، فسمعتهم يتحدثون عن هذا الذي تذكره وتعلي من شأنه، وما ذكروه عنه
أنه يكثر من التردد على متنزه «الكاغدخانة»، وهناك طائفة من الغجر،
8
منتبذين في ناحية منه يعيشون تحت أكواخهم المعهودة، وأن الشيخ جمال الدين
ينتاب هؤلاء الغجر ويلم بهم كلما زار ذلك المتنزه؛ يكلمهم ويصغي إلى
حديثهم.»
فقلت له: إن السيد جمال الدين على ما يظهر يجد في حديث هؤلاء القوم ما يسليه،
ويسري عنه هموم حياة النصب التي يحياها، فلم يعجب التاجر قولي، وبقي مصرا على
استنكار ما كان يفعله جمال الدين من غشيان هذه الأكواخ ومحادثة أهلها، وأن هذا يضع منه
ويحط من قدره، فقلت له: إن طبع السيد الأفغاني مشتق من طباع الفلاسفة، فهو
يرفه عن نفسه بمحادثة الغجر، وربما تعود ذلك ليتوسل إلى إكرامهم والرضح لهم
بالبخشيش، وجعلهم يشعرون بشيء من راحة الحياة ولون من ألوانها الضاحكة، وأنهم غير
منسيين من إخوانهم البشر ذوي الرغد والعز والسلطان. والسيد في بلاده الأفغان على
مقربة من بلاد الهند، وقد ألم بها المرة بعد المرة، ورأى بعينيه نظام الطبقات
السائد فيها وشناعته ومبلغ حطه من كرامة الجنس البشري، فهو بتأنيسه لأولئك
المحدودين المنكودي الحظ كأنه يعلن شريعة الأخوة الإنسانية التي علم بها الإسلام وجهر
بها النبي عليه الصلاة والسلام في مثل قوله: «يا أيها الناس، إن الرب واحد والأب
واحد.»
وإن العقلية الفلسفية ليست كالعقلية التجارية؛ فإن نفس الفيلسوف يلذها أن تغوص في
أعمق طباع البشر، وأخفى أسرار حياتهم على اختلاف طبقاتهم. وهؤلاء الغجر طبقة من الناس
تحيا حياة خاصة وتمتاز بعقلية غريبة، ويروى عنهم من الأخبار ونوادر القصص ما يسلي
السيد جمال الدين، ويشغله قليلا عن الجد الذي يعانيه في مقاومة الملوك المستبدين،
ومجادلة البلداء من العلماء والعظماء.
والأفغاني في تحدثه إلى الغجر وتنزله إلى مجاملتهم، وتأنيسهم يشبه ما حكي لنا عنه
وهو في القاهرة؛ أخبره مريدوه الحريصون على تفكيهه وتسليته، أن فتاة أوروبية لها
«مشرب» في حي الأزبكية تسقي فيه البيرة بيدها، وأنها غاية في الجمال والذكاء والأدب،
فقال لهم جمال الدين: هيوا بنا إليها.
وقد عرف من أمر السيد أنه ما كان يتعاطى محرما، وراوي الخبر لم يقل إنه شرب
البيرة عند الفتاة، على أن بعضهم رخص بالبيرة؛ لأنها تتخذ من غير عصير العنب
المسمى خمرا، والقليل منها لا يسكر (كما قالوا).