تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دخل السيد الأفغاني ورفاقه على الفتاة، وإذا هي كما وصفوها جمالا وذكاء، فأشار

إليها بعض رفاق السيد منوها بمقامه، فأقبلت عليه بالتأنيس وبعذب الكلام، وأقبل

عليها هو بالبحث والتفتيش عن خبايا نفسها وأسرار حياتها، ثم التفت إلى رفاقه

قائلا: أتريدون أن أبكيها لكم؟ فقالوا - وقد عجبوا لقوله: نعم. فالتفت إليها

وقال ما معناه: إني رأيت من جمالك وذكائك وحسن أدبك ما آسف عليه وعليك وعلى ضياع

حياتك تمضي سبهللا، كان يمكنك بهذه الأوصاف التي أنت عليها أن تبلغي أقصى درجات

السعادة والمجد والشهرة، وكثير من وصيفات القصور لسن على بعض ما أنت عليه من جمال

وعقل وذكاء ونبل، آسف جدا على شبابك وجمالك أن يبتذلا في هذه الحانة التي

يؤمها أحيانا أشرار الناس وأوباشهم، فترين وتسمعين منهم ما يجرح كرامتك، ويؤذي

أدبك، وسمو تربيتك. وأطال السيد في هذا ونحوه، والتفت الرفاق إلى الفتاة فإذا هي

مطرقة خاشعة تنحدر دموعها على وجنتيها، وقد أرعش البكاء شفتيها. عندها قال رفاق السيد

للسيد: أجئنا بك إلى هنا يا أستاذنا لنسر ونطرب، أو نبكي ونحزن؟ فقال لهم:

أتريدون أن أبدل بكاءها ضحكا، وحزنها هناء؟ قالوا: افعل. فالتفت إليها

وكلمها كلاما فيه فكاهة ودعابة، فعادت إلى المرح والانبساط. •••

قصدت إلى زيارة السيد الأفغاني في «المسافرخانه»، حيث كان ينزل المسافرون من ضيوف

الخلافة، فاستأذنت عليه، وكان لديه طائفة من أهل الفضل والأدب، أذكر منهم

الفاضلين السلاوي وإبراهيم أدهم زعيمي أدباء العرب في عاصمة الترك في العهد الحميدي،

ومن أشهر المترددين على السيد يومئذ الشيخ عبد الرشيد إبراهيم الرحالة المسلم

الروسي، وكان السيد يخصه برعايته وعطفه، ولم أكد آخذ مكاني من المجلس حتى سألني

السيد عن نفسي، فانتسبت إليه بذكر بلدي وأسرتي، وأني أخذت العلم عن شيخي الشيخ حسين

الجسر، فأثنى السيد على الشيخ وقال إنه قرأ مؤلفه «الرسالة الحميدية» مذ كان السيد

في البصرة. والرسالة الحميدية هذه أثبت فيها شيخنا الجسر أحقية الدين الإسلامي

وحقيقته، ردا على طوائف المنكرين له، وقد أطال النفس - رحمه الله - في الرد على

الدهريين والداروينيين خاصة.

وقد سمعت من لفظ شيخي المشار إليه - رحمه الله - أنه لما كان في الآستانة اجتمع

بالسيد جمال الدين في المابين، في دائرة الحاج علي بك كبير القرناء، ولم يكونا

التقيا قبل ذلك، فأثنى الأفغاني على الشيخ وعلى رسالته الحميدية التي قرأها مذ

كان في البصرة، لكنه انتقد «جريدة طرابلس»، وكانت أنشئت حديثا سنة 1310ه، وكان

صاحبها ومديرها المسئول وجيها عصاميا من وجهاء طرابلس، وكانت جريدته إخبارية، يهم

صاحبها قبل كل شيء رواجها واستثمارها ورضى الحكام عنها، وقد حفظ صفحتها الأولى

لشيخنا الجسر، الذي كان السبب في سماح الحكومة بإصدار في طرابلس، فكان الشيخ يكتب

الافتتاحيات المسهبة في الدين والأخلاق والاجتماع بتوقيع منتحل، فقال السيد الأفغاني

لشيخنا الجسر رحمهما الله: ما هذا يا أستاذ؟ إن جريدتكم «طرابلس» جمعت بين الكفر

والإيمان، أقرأ في صفحتها الأولى الحض على الفضيلة والخير ومكارم الأخلاق، وفي باقي

الصفحات ضروبا من التملق والنفاق (وهذا الصنيع من أبعد ما يكون عن طبع الأفغاني). قال شيخنا الجسر: فاعتذرت عن مدير الجريدة بطبيعة الوقت، وأن الجريدة لا تعيش في بلاد

مثل بلادنا ما لم تتمش إدارتها على هذه الطريقة من اللين والرفق ومجاملة الحكام. قال: فلم يقبل الأفغاني هذا العذر.

قال شيخنا: ورجوت الأفغاني أن يخفض صوته في حديثه معي؛ كيلا يشعر رجال المابين أنني

صحافي أكتب في صحف الأخبار، فامتعض الأفغاني وقال: ولماذا يا أستاذ تحاذر هذا

وتأبى الانتساب إلى الصحافة؟ الصحافة عمل شريف، وأنا صحافي، وكان لي في باريس جريدة

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ١٠