1889م، والتقى ثمة بالشاه ناصر الدين فلاطفه الشاه واطمأن جمال الدين إليه، وعاد معه
إلى طهران، وعادت إليه مكانته الأولى فيها، وجعل يبث الروح الدستورية بين أبنائها، فعاد
الشاه إلى تنكره له، فأحس السيد بذلك واستأذنه في زيارة «شاه عبد العظيم»، وهي بلدة
على بعد عشرين كيلومترا من طهران، وتبعه محبوه. واتخذ من قداسة المكان
طريقا إلى الجهر برأيه في إصلاح الحكومة، فلم يطق الشاه صبرا عليه، فأرسل قوة
عسكرية إليه، فاحتملوه من فراش مرضه إلى حدود تركيا فنزل البصرة.
واتفق أن كان في البصرة يومئذ قاضيها عبد الحميد أفندي الرافعي الطرابلسي، فروى
بعض الإخوان عن لسان القاضي طرائف من أخبار السيد الأفغاني وهو في البصرة،
أودعتها مقالي المنشور في «البينات»، بعنوان «جمال الدين أفغاني أم إيراني»،
وستأتي مناسبة لذكر نزول السيد البصرة واقتباس شيء من أخباره فيها. واستأذن السيد
الأفغاني وهو في البصرة حكومة الآستانة في أن يذهب إلى السياحة في داخلية جزيرة العرب،
فلم يؤذن له، ثم أذنوا له في الذهاب إلى لندن، ثم لم تلبث أن جاءت برقية
بمنعه، وكان غادر البصرة بعد أن بذل وسعه في تأريث نار الفتن بين الإيرانيين والشاه،
من ذلك أنه حصل على نسخة من كتاب «علي بابا»، تأليف «جيمس موري»، فترجمها إلى
الفارسية، وجعل يبعث بنسخ منها إلى إيران ليقرأها الطلاب والنشء الجديد، فيعرفوا كيف
يستهزئ الأجانب بهم ويهبوا إلى الإصلاح.
وبعد أن غادر البصرة أقام في لندن يتحدث إلى الإنكليز في مجتمعاتهم وأنديتهم. وكان
يكتب المقالات الرنانة في جريدة «ضياء الخافقين» بتوقيع السيد، وكان معظم اهتمامه في
كتاباته وأحاديثه في الطعن على الشاه، وما آلت إليه حالة إيران في عهده. فكان الشاه
يكتب إلى السلطان عبد الحميد شاكيا له منه، فتوسط السلطان سفيره رستم باشا في أن
يقدم جمال الدين إلى الآستانة، فلم يفلح رستم وأفلح الشيخ «أبو الهدى»، فكتب إليه
السيد بفنون من معسول الكلام فانخدع وشخص إلى الآستانة، ونزل في «المسافرخانه» حيث كنت
أوافيه مع جماعة من محبيه ومريديه. فهو إذن نزل الآستانة مرتين؛ المرة الأولى سنة
1287ه / 1870م، والمرة الثانية سنة 1310ه / 1892م، وبين المرتين ثلاث وعشرون سنة،
وستأتي زيادة تفصيل لأخبار السيد جمال الدين مع شاه إيران.
وكان السيد مع «أبي الهدى» في أول الأمر على وفاق وجميل صحبة، وقد شهدتهما
يوم يريدان الركوب في عربة من دار أبي الهدى إلى المابين، فجعل كل منهما يقسم على
رفيقه أن يركب في الجهة اليمنى ورفيقه يأبى، وقد ارتفعت أصواتهما بالأيمان على
مرأى ممن حولهما. والأفغاني لم يكن يكترث لما يسمونه رسميات أو تشريفات، غير أنه
قد تكلف ذلك لأول نزوله الآستانة؛ مراعاة لمقام صديقه الجديد «الشيخ أبي الهدى»،
على أن ذلك لم يدم طويلا، فإن كلا من الصديقين رجع إلى شنشنته وما ركز في
طبعه، «إن التخلق يأتي دونه الخلق»؛ ولذلك عادا فاختلفا بعد التفاهم، وتناكرا
بعد التراحم، حتى أدى الحال بينهما أخيرا إلى اللمز والتعيير، وكان أبو الهدى ينبز
الأفغاني بالمازندراني.
وسمعت شيخنا الشيخ حسين الطرابلسي مؤلف الرسالة الحميدية يقول: إنه كان في مجلس
الشيخ أبي الهدى بالآستانة، فحدث أحد الجلساء عن بعض علماء أوروبا المستشرقين وقال:
إن هذا المستشرق عمد إلى القرآن فرتب آياته بحسب معانيها وموضوعاتها فصولا فصولا،
فجمع في فصل الآيات المتعلقة باليهود مثلا، وفي فصل آخر الآيات المتعلقة
بالنصارى، وفي فصل آيات الطلاق ... آيات الإرث ... آيات الجنة ... آيات النار ... وهكذا، وروى
المحدث هذا الخبر عن لسان السيد الأفغاني، قال: وقد استحسن الأفغاني هذا الصنيع من
المستشرق ولم ينكره. قال شيخنا الجسر: فغضب أبو الهدى الصيادي عند سماع هذا الحديث عن