يشاء جل الله واهب المنن
غير أن والدي في مقدمة رسالته أطال في التشنيع على السيد وتعييره بالتهمة التي
نسبت إليه، وأرجو ألا يكون مؤاخذا لما وقر في نفسه من حسن القصد وسلامة
النية.
ويظهر أن حادثة «دار الفنون» أثرت في نفس جمال الدين تأثيرا جعله ضعيف الثقة
بالعلماء والاعتماد عليهم، فقد رووا أن السلطان عبد الحميد لما أراد أن يوفد بعثة من
علماء الآستانة لنشر الإسلام في بلاد اليابان بناء على طلب إمبراطورها، واستشار جمال
الدين لم يوافقه - وكان هذا في جيئته الثانية إلى الآستانة كما سيأتي تفصيله - وقال
للسلطان: «إن العلماء نفروا المسلمين من الإسلام، فأجدر أن ينفروا الكافرين، والرأي
أن ترسل إلى الإمبراطور هدايا مع كتاب تعدونه فيه بتلبية طلبه، ثم نجتهد في
تخريج طائفة من العلماء يصلحون للدعوة ويدخلون إليها من بابها المعقول.»
أدت هذه الحادثة أخيرا (حادثة خطابه في دار الفنون) إلى خروج السيد من الآستانة
مبعدا مظلوما، فنزل مصر، لا على نية الإقامة فيها، غير أن رياض باشا حمله على
البقاء. وعينت له حكومته ألف قرش في الشهر. فأقبل فضلاء مصر عليه كما كان يفعل
فضلاء سوريا في مدة إقامته القصيرة الأولى. وكان يدرس العلوم المختلفة من فلسفة
وحكمة وغيرهما في داره، فكان يفكك عن العقول عقل الأوهام، ويرشد من حوله إلى
حقائق الإسلام. فإذا ذكرت كلمة التوحيد مثلا قال: «إن الناس لو فهموا معناها لما
استعانوا إلا بالله، ولا طلبوا المدد إلا من الله»، وإذا ذكر التصوف قال: «أنا لا
أفهم معنى لقولهم: الفناء في الله، وإنما الفناء يكون في خلق الله، ومعنى الفناء فيهم
تعليمهم وتنبيههم إلى وسائل سعادتهم وما فيه خيرهم.» وكان يقول: «ما أكثر الجرائد
السياسية والعلمية والأدبية في هذه البلاد! مع أن أهاليها في حاجة إلى جريدة أبسط من
ذلك كله؛ إلى جريدة تقول لهم: اغسلوا أرجلكم، اغسلوا أيديكم، اغسلوا أثوابكم.»
وقد نشأ له من جراء صراحته هذه وتجديده في العلم والدين وفهم الحياة مريدون
كثيرون، فحسده الشيوخ؛ ولا سيما من يعد قراءة الفلسفة من الكفر، ومال إليهم
العامة. وخاض السيد غمار السياسة المصرية، ونبه المصريين إلى وجوب تنظيم حكومتهم،
فساعد هذا كله على تنكر ولاة الأمور له والخشية منه؛ ولا سيما بغضه للإنكليز
الذي كان يعلنه ولا يخفيه. وانتظم في سلك الماسونية لينفسح له المجال أمام الأعمال
السياسية، وكتب مقالات في السياسة تولى غلادستون نفسه الرد عليه، ووافق ذلك تولية
«توفيق باشا» للخديوية، فلم يطق الصبر على السيد، فأخرج من القطر المصري، فذهب
إلى الهند وذلك سنة 1296ه. وكان سفره من السويس، فعرض عليه قنصل الإنكليز مبلغا من
المال نفقة السفر فأبى، وقال كلمته المأثورة: «الأسد أينما ذهب لا يعدم فريسته»، فتكون
مدة إقامته الثانية في مصر ثماني سنوات، ثم غادر الهند إلى لندن فباريس، وهناك اتصل
به الشيخ محمد عبده وأصدرا جريدة «العروة الوثقى» التي وصفنا من خبرها ما وصفنا
في صدر الكلام. وكان إصدارها بتكليف من جمعية «العروة الوثقى المصرية»، ثم أقفلت
بسبب إقفال أبواب الهند ومصر والسودان في وجهها. لكن السيد لم يترك الكلام في السياسة،
فكتب في الصحف الباريسية، وجرت له أبحاث مع رينان في العلم والإسلام.
وطلبه «تشرشل» و«سالسبوري» إلى لندن ليسألاه رأيه في مهدي السودان، فذهب إليهما، ثم
رجع إلى باريس، فطلبه شاه إيران «ناصر الدين»، فخف إلى طهران فولاه الشاه وزارة
الحربية، فأحبه الإيرانيون ومالوا إلى تعاليمه، فخافه الشاه وتغير عليه، وأحس السيد
فاستأذنه في السفر انتجاعا للصحة، فذهب إلى موسكو فبطرسبرج، وكان له في كل مكان ينزله
مريدون مشتاقون إليه، سماعون له، عاملون على نشر آرائه. وزار معرض باريس سنة