تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الدين أهو أفغاني أم إيراني؟» نشر في المؤيد

5

سنة 1327ه/1909م، ولعل مقالي هذا من أصرح ما كتب في هذا الموضوع.

ولم يبلغ السيد الثامنة عشرة من عمره حتى أتم دراسته للعلوم المختلفة، وعرض له أن

يسافر إلى الهند لدراسة بعض العلوم العصرية، وقصد الحجاز لأداء الفريضة سنة 1273 هجرية،

ثم رجع إلى الأفغان وتقلد إحدى وظائفها. ووقع خلاف بين أمراء الأفغان، فانحاز

السيد إلى «محمد أعظم خان»، وكان له بمثابة وزير دولة، وشايع الإنكليز «شير علي»،

فتغلب هذا على محمد أعظم، ومن هنا نشأت العداوة بين الإنكليز وجمال الدين، واشتهرت

حتى قال سليم بك العنحوري في شعر له:

فكأنني بيكونسفيلد

6

زمانه

وكأنها من بغضها الأفغاني

وأخيرا تغلب «شير علي» على منافسه، فلم يتعرض للسيد بسوء لكنه أضمره له،

وأحس السيد بذلك فرحل عن الأفغان سنة 1285ه، ومر بالهند إلى مصر فأقام أربعين

يوما. قال الأستاذ الشيخ محمد عبده: «تردد في أثنائها على الأزهر، وخالطه كثير من

الطلبة السوريين، وسألوه أن يقرأ لهم شرح الإظهار، فقرأه لهم في بيته». ا.ه.

ويظهر أنه كان للسوريين دالة عظيمة على السيد مذ رضي أن يقرأ لهم «الإظهار»،

7

وعلم النحو أقل شأنا من أن يشتغل السيد في نشره وتلقينه للطلاب؛ إذ إن

الحكمة والفلسفة والسياسة العليا كانت مطمع نظره وأكثر ما يهمه نشره من العلوم بين

مريديه، سواء أكانوا من أهلها أم لا. وقد روى بعض الفضلاء أن الشيخ محمد عبده قال: «كان

السيد جمال الدين يلقي الحكمة لمريدها وغير مريدها، ومن خواصه أنه يجذب مخاطبه إلى

ما يريد وإن لم يكن من أهله. وكنت أغبطه على ذلك؛ لأنني تؤثر في حالة المجلس

للوقت، فلا تتوجه نفسي للكلام إلا إذا رأيت له محلا قابلا واستعدادا ظاهرا.»

ا.ه.

ثم شخص السيد من مصر إلى الآستانة في عهد الصدر عالي باشا، وكان بزيه الأفغاني

(جبة وكساء وعمامة عجراء)، فعظم أمره وارتفعت منزلته، وأطلق لسانه بسائق من طبعه

في وجوب الإصلاح والتعجل به قبل فوات وقته.

قال المستر بلنت الإنكليزي: «إن سعي العثمانيين في تحويل حكومتهم إلى دستورية في

بادئ الأمر قد ينسب إلى شيء من تأثير جمال الدين، فقد أقام في عاصمتهم يحاورهم ويخطب

فيهم.»

وهكذا كان تأثير جمال الدين في نهضة مصر أيضا؛ فقد خطب سعد باشا زغلول في بعض

الحفلات وقال للمصريين: «لست خالق هذه النهضة كما قال بعض خطبائكم، لا أقول ذلك ولا

أدعيه، بل لا أتصوره، إنما نهضتكم قديمة من عهد محمد علي وعرابي. وللسيد جمال الدين

الأفغاني وأتباعه وتلاميذه أثر كبير فيها، وهذا حق يجب ألا نكتمه؛ لأنه لا

يكتم الحق إلا الضعيف.»

عين جمال الدين وهو في الآستانة عضوا في مجلس المعارف الأعلى، وألقى خطابا في

حفلة «دار الفنون» باللغة التركية التي أتقنها بعد ستة أشهر من نزول الآستانة،

فأنكر المشايخ من خطابه بعض الآراء. وكان شيخ الإسلام حسن فهمي أفندي متغيرا عليه،

فقام علماء الآستانة وخطباء مساجدها يردون على جمال الدين ويسفهون قوله. وكان

يومئذ في الآستانة والدي «مصطفى بن أحمد المغربي»، فوضع رسالة في الرد عليه أيضا ما

زالت مخطوطة في مكتبتي إلى اليوم، وسماها «عين الصواب في الرد على من قال إن

الرسالة والنبوة صنعتان تنالان بالاكتساب»، قال في آخرها: وكان الفراغ من تبييضها في

ذي الحجة سنة 1287ه. وأكد الشيخ محمد عبده أن السيد جمال الدين لم يقل هذا في

مسألة النبوة والرسالة، وإنما مشايخ الأتراك تحاملوا عليه فألصقوا التهمة به وهو منها

براء. وكان والدي لا يعرف التركية، فلم يتبين حقيقة الواقع، فكتب في رسالته ما عرفه

من مذهب أهل السنة والجماعة، وما قرروه في هذه المسألة التي قال فيها صاحب جوهرة

التوحيد:

ولم تكن نبوة مكتسبه

ولو رقى في الخير أعلى عقبه

بل ذاك فضل الله يؤتيه لمن

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ٦