تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن جمال الدين الأفغاني، فكان يقصه أحدنا على الآخر ويمتن عليه به مفاكها مداعبا.

قال الشيخ رشيد في مقدماته لكتابي «الجزء الثاني من البينات»:

وأكبر ما أثر في أنفسنا وعقولنا وظهر أثره في إنشائنا لفظا ومعنى

جريدة «العروة الوثقى» لحكيمي الشرق ومجددي نهضته العلمية والأدبية

والاجتماعية والسياسية والدينية والإسلامية، وجدت أعدادا منها فوجدتني

دخلت في حياة جديدة، وأطلعت صديقي المغربي على تلك الأعداد، كدأبنا في إطلاع

كل منا الآخر على ما يستحسنه ويراه مفيدا. ثم طفقت أبحث عن بقية

الأعداد وأستنسخ ما أجده منها، وينسخ هو أيضا حتى كملت لنا، ورسخت آراء

الحكيمين وأفكارهما أو مذهبهما الإصلاحي في أنفسنا. وقد قال لنا مرة أستاذنا

الشيخ حسين الجسر: إن بينكما جوامع كثيرة أخصها حب السيد جمال الدين

الأفغاني واتباع أفكاره. فقلنا له: بل أخصها تتلمذنا لفضيلتكم

وتلقينا عنكم. ا.ه.

وبلغنا أن مصورا مسيحيا من أهل بلدنا (طرابلس) عاد إليها بعد غيابه عنها في

بلاد الهند سنين متطاولة، فأخبرنا أنه اجتمع بجمال الدين الأفغاني، وأنه يروي عنه

أخبارا طريفة. فهرعنا إلى محل عمله ودمرنا عليه. وكنا نلح بالاستفسار عن جمال الدين

ونلهيه أحيانا عن شغله الذي بين يديه، فكان يروي لنا ما يعرف من أعماله وأقواله، ويصفه

لنا وصف العارف به، الواقف على حقيقة خبره، وعرف أهل طرابلس منا حب استطلاعنا

لأخبار السيد الأفغاني، فكان كل من أراد التودد إلينا أو إدخال السرور علينا يجيئنا

بخبر عنه.

ومن ذلك أن الشيخ علي العمري المشهور بالصلاح والكرامة - رحمه الله - صادفنا في

الطريق يوما، فأطلعنا على كتاب جاءه من الآستانة بتوقيع «جمال الدين الخطيب»، وقال

لنا إنه لا يعرف أحدا في الآستانة مسمى بجمال الدين إلا السيد الأفغاني - يريد بذلك

مطايبتنا وإدخال السرور علينا، وكانت مطايبة الناس من عادته - فإذا الكتاب بتوقيع

«جمال الدين الخطيب»، وكنا لا نعلم من هو هذا «الخطيب»، والأفغاني لا يلقب نفسه

بالخطيب، ولم يشتهر به ، والكتاب حسن الخط جيد الإنشاء، وقد ظهر لنا من مضمونه أن

كاتبه وقع في ضائقة روحية أقلقته، فهو يلتجئ إلى الشيخ العمري في الدعاء له،

فيكشف الله عنه ما هو به؛ فازددنا شكا في أن يكون الكتاب من السيد الأفغاني، ثم

تبين أخيرا أن صاحب الكتاب دمشقي فاضل من آل الخطيب، يتعاطى النيابات الشرعية، وهو

أخو صديقنا الأستاذ زكي بك الخطيب المحامي والسياسي المشهور.

وكثرة اهتمامنا بالأفغاني والشيخ عبده، والحرص على الاتصال بالوافدين من مصر

والآستانة لمعرفة خبرهما والتحدث بما يروى عنهما من آراء وأفكار قد تكون غير مألوفة،

حتى جعل الناس في بعض الأحايين يقعون فينا ويتقولون علينا. وكنا لا نبالي ذلك،

ونكثر من الجدل والدفاع عن الشيخين وتعاليمهما، ووجوب الانتفاع بعلمهما

ونصحهما.

بقيت على هذه الحال في طرابلس زهاء عشر سنين 1301-1310ه، ثم برحتها إلى الآستانة

من أجل الدخول في بعض معاهدها الدينية، فمكثت ثم سنة واحدة، اجتمعت خلالها بجمال

الدين مرارا، وها أنا ذا أصف ما شاهدته منه، وأروي ما سمعته عنه، غير أنه

يحسن قبل الشروع فيما إليه قصدت أن آتي على خلاصة من سيرته؛ لتكون تمهيدا بين يدي

السبب الذي جعله يتخذ الآستانة مثوى أخيرا له.

3

نشأ جمال الدين في مدينة كابل عاصمة الأفغان، فهو إذن أفغاني، والإيرانيون يقولون إنه

إيراني. وهذا الخلاف في نسبة جمال الدين من أعجب الأمور وأدعاها للاستغراب. كما أن

الرجل عاش في عصرنا وبلادنا، وأعماله ومساعيه تقع تحت مواقع أبصارنا، والأدلة متوفرة

لمعرفة حقيقة نسبه. فالشك في أفغانيته يورثنا الشك في كثير من أخبار رجال التاريخ

الأقدمين ونسبتهم ومناشئ مناقبهم ومثالبهم. وقد كنت كتبت مقالا نيرا في «جمال

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ٥