تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المصرية، فإن ما كانوا يخافونه من مصر كان وهما صرفا، فلما طرقوها أوقدوا فتنة ما

كانت تخطر ببال أحد. ثم هم بعد ذلك في عجز عن علاجها ... إلخ.»

وكانت العروة تتفنن في أساليب التأليب على الإنجليز وتصغير شأنهم، والتحذير من الوقوع

في حبائلهم؛ حتى تلجأ أحيانا إلى رواية مثل الأسطورتين التاليتين:

أسطورة

ذكروا في أساطير الأولين أن هيكلا عظيما كان خارج مدينة إصطخر، وربما أوى

إليه بعض سراة الليل إذا اشتدت بهم وحشة الظلام. وما أوى إليه أحد إلا

غالته المنية، فيأتي طلاب أثره لقص خبره، فيدخلون الهيكل في ضوء

النهار فيجدونه ميتا. ثم لا يهتدون لسبب موته لسلامة بدنه من كل ما

يعهد سببا للموت. واشتهر أمر الهيكل بين السابلة والقطان، وأخذ كل قاصد

حذره من المبيت به، حتى ضاقت الدنيا برجل فاختار الموت على الحياة، وصعب

عليه انتحار

3

نفسه بيده، فذهب إلى الهيكل لعله يصادف منيته، فإذا بالقرب منه

رجال نصحوه وحذروه عاقبة الهلاك فلم يصغ إليهم، وقال: إنما أتيت لتلك

العاقبة. وانفلت من نصحائه إلى حيث يظن هلاكه. فلما توسط الهيكل فاجأته

أصوات مزعجة هائلة، كأن جمعا عظيما يخاطبه: ها نحن وصلنا لتمزيق بدنك وسحق

عظامك. فصاح اليائس: ألا فاقدموا فقد سئمت الحياة. فلم يتم كلامه إلا وقد

حدثت قرقعة شديدة، وانحل الطلسم، وانشق الجدار، وتناثرت منه الدراهم

والدنانير، وتفتحت أبواب الكنوز، فاطمأن الخائف ونام حتى أصبح. ولما أضحى

النهار وجاء الواقفون على خبره ليحملوا جنازته وجدوه فرحا مستبشرا يسألهم

بعض الأوعية ليحمل ما وجده من الذهب والفضة، فاستخبروا قصته، فبعد البيان

علموا أن هلاك من هلك إنما كان بالفزع من تلك المزعجات التي لا حقيقة لها. وبريطانيا العظمى هيكل عظيم يأوي إليه المغرورون إذا أوحشت نفوسهم ظلمات

السياسة، فتدركهم المنية بمزعجات الأوهام. وكم هلك بين جدرانه من لا مريرة

لهم، ولا ثبات لجأشهم، وأخشى أن يسوق اليأس إلى ذلك الهيكل قوى المريرة، ماقت

الحياة فما تكون إلا هنيهة يصعد فيها صوت اليأس فينقض الجدار وينحل هذا

الطلسم الأعظم.

أسطورة أخرى

قالوا إن زنجيا أسود هائل المنظر، غليظ الشفتين، مقلوب المشفرين، جاحظ

العينين، أحمر الحدقتين، بشع الوجه، أفطس الأنف، منكر الصورة؛ كان يحمل

ولدا في ليلة مظلمة يسير به في زقاق من أزقة بغداد. والولد - كلما نظر إليه

- يفزع ويبكي وينتحب ويصيح ويعول، وكلما اشتد به الفزع ربته الزنجي ومسح

ظهره، وقال له: لا تخف يا ولدي، فإنني معك وأنيسك وحافظك من كل شر، وبعد

تكرير هذه الملاطفات من الزنجي للصبي، قال الصبي: يا سيدي، إنما خوفي وفزعي منك

لا من وحشة الظلام. وهكذا شأن حكومة إنكلترا مع المصريين، كلما اشتدت الخطوب،

وعظمت المصائب، وزاد الخلل في البلاد المصرية، مسحت حكومة بريطانيا على ظهر

توفيق باشا ووزرائه بيدها الناعمة (وإنما هي نعومة الثعبان)، وأقبلت على

الأهالي تمنيهم بوعودها المرونقة

4

وتقول لهم: لا تحزنوا، فإني معكم. وجميع المصريين من توفيق باشا

إلى وزرائه إلى عامة الأهلين يجأرون وينادون: إنما خوفنا وجزعنا منك،

وراحتنا واطمئناننا بتنحيك عنا وتركنا وشأننا. ا.ه.

هذا نموذج من جهد جمال الدين الأفغاني ونشاطه السياسي، وهذه هي أفانينه الخلابة

التي كان يوزعها على قرائه في «العروة الوثقى»، وكنت أدرس مضامين «العروة» دراسة

عميقة، وأستوحي من خلال سطورها أفكارا وآراء: منها ما كانت تقبله «البيئة» وترضاه،

ومنها ما كانت تستنكره وتأباه. وأخطر ما كنت أفكر فيه وألهج به وأدعو إليه من مبادئ

العروة «الإصلاح الديني». وكان رفيقي ومؤنسي في هذا الطريق الوعر الشيخ رشيد رضا رحمه

الله، وما كان يلذنا شيء بقدر ما يلذنا أن نعرف خبرا جديدا أو حديثا مستطرفا

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ٤