تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القواد الإنجليز إلى أقاصي المسكونة»: «الوقوقة في الأصل أصوات الطير ونباح الكلاب»،

وعلى قولها: «لهذا لا تمكن إنكلترا بدسائسها في قطر إلا عند سكون أهله»: «تمكن،

أي تبيض وتفرخ؛ من أمكنت القملة أو الجرادة إذا ألقت بيوضها، والمكن بيض الصئبان

والجراد.»

فلا جرم أن «العروة الوثقى» مهدت بين يدي ناشئة العرب مناهج في الكتابة وأساليب

الإنشاء ما كانوا يعهدونها من قبل، ونبهت إلى وجوب استعمال كلمات اللغة الفصحى

والاستعانة بها على إيراد المعاني العصرية ومطالب الحياة الاجتماعية الجديدة؛ كقولها:

«وبنوا قلاعا من العساكر، مدرعة بلؤام من حراب البنادق، مسيجة بآلات من صنع هنري

مارتن»، و«اللؤام»: تلاؤم ريش النبال، فاستعملتها «العروة» في تلاؤم حراب

البنادق.

وقد تضمن العدد الأول مما يحتاج إلى الشرح من فصيح اللغة نحو ثلاثين كلمة، وعلى هذا

قد تبلغ الكلمات اللغوية في أعداد العروة كلها زهاء خمسمائة كلمة. ومن هذه الكلمات

قوله: «وتاه فيها الخريت وضل المرشد»، «لم يكن له أثر إلا في حواشي طوامير الأوهام»،

«لم ينل من غضاره ما يقوم بحفظ حياته»، «التعصب لفظ تلوكه الألسن، بحيث صار تكأة

للمتكلمين؛ يلجأ إليه العيي في تهتهته، والذملقاني في تفيهقه»، «على غوارب

أمواج الحوادث نائمون، تقذفهم كريبة وتتلقفهم أخرى» (والكريبة: الداهية العظمى)، «هل

يبعد أن يمتد لياق المهدي السوداني إلى الأقطار الإسلامية الأخرى» (واللياق: شعلة

النار)، «واشتهرت إنكلترا بخلابة الشرقيين وأخذهم بالرويغة ... ولم يكن قصدها من هذه

الزغزغة إلا أن يكون السودان فراطة لا حق لأحد فيه»، إلى غير ذلك من الألفاظ والتعابير

التي يجدر اقتباسها وتداولها.

وقد استعملت العروة كلمة «النقاط» جمع نقطة بمعنى المركز

العسكري

Poste ، أو بمعنى موقع استراتيجي كما يقولون اليوم، فقالت: «وتمكن

الإنجليز من النقاط الحربية في البحر كمالطة وقبرص.» ولعل العروة أول من استعمل «النقطة

والنقاط» بهذا المعنى. والأغلاط اللغوية في العروة قليلة جدا، من ذلك قولها: «وينقبون

على المصالح الوطنية» صوابه «عن المصالح». وقد استعملت من الكلم ما لا عهد لنا

به، مثل جمع «خان» (بمعنى ملك الترك) على «خوانين»، والمعروف بيننا جمعه على «خانات»،

ولعلها إنما جمعته على «خوانين» تفاديا من اشتباهه بخانات المسافرين. ومن كناياته

الجميلة غير المعهودة قوله: «وهو تحت الجناح»؛ أي إن الغرض المطلوب هو في الكف أو في

متناول اليد. ومن معاني الجناح «الإبط»، كأنه قال إن الشيء المطلوب تحت الإبط، على أن

الجناح يكون بمعنى اليد، لكن كلمة «تحت» تشعر بأن المراد بالجناح الإبط لا

اليد.

وهكذا نرى أن «العروة» تضمنت من الكلمات الفصيحة والتعابير الرشيقة ما شاع على

ألسنة الكتاب وأسنة أقلامهم، محتذين مثاله، متداولين استعماله، فكانت العروة

الوثقى وأساليبها الكتابية أساسا لنهضة جديدة في الإنشاء العربي وتجديد الأساليب

الكتابية العربية.

أما المطالب والموضوعات الاجتماعية والانتقادية والأخلاقية، فحدث عن كثرتها

وفائدتها ولا حرج.

وأما الشئونات السياسية فهي بيت القصيد، وحب الحصيد من الأغراض التي أنشئت لأجلها

«العروة»، وتراها تدور حول التشنيع على الإنكليز في أطماعهم، وهيج النفوس عليهم، وتأريث

نيران الفتن من حواليهم. وما قالته منذ ست وستين سنة كأنه مما يقال اليوم. اسمعوا ما

قال في العدد الأول: «وإنما رأت الروسية أن الوقت وقت العمل في آسيا، فطلبت الراحة من

جهة حدودها الأوروبية لتتفرغ لإجراء مقاصدها في أطراف الهند. وإن الفزع من هذا الانتقال

الفجائي قد ظهر أثره في جميع الجرائد الإنكليزية. ليت الإنكليز صرفوا قوتهم

ووجهوا عزيمتهم لدفع ما يلم بهم من الخطر القريب، ولم يقعوا في شرك المسألة

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ٣