أجل الوصول إلى بعض أماني الشرقيين. لكن جمال الدين كان يحتد أحيانا أثناء المناقشة
مع رجال السياسة كغلادستون مثلا، وينتج عن حدته وتسرعه انهيار ما كانا أسساه،
حتى قال الشيخ عبده في وصف حدة جمال الدين: «وطالما هدمت الحدة ما بنته
الفطنة.»
كان كل من ابن خلدون وجمال الدين يعمل عقله في فهم تعاليم الإسلام مستقلا
مجتهدا، لا متابعا مقلدا، وكان كل منهما يعنى في توفير مصالح المسلمين
العامة، ويحرص على إصلاح الجماعات الإسلامية من طريق التوفيق بين أصول الإسلام الصحيحة
وبين قواعد علم الاجتماع التي ظهرت فائدتها في إصلاح شئون البشر وانتظام أحوال
الجماعات، وإن حرص الفيلسوفين «ابن خلدون وجمال الدين» على تطبيق فكرتهما هذه في
العالم الإسلامي من دون تقية ولا جمجمة، وكذا مقاومتهما للخرافات والتقاليد الملصقة
بالدين. كل ذلك أثار في وجههما الخصوم، وأوجد لهما حسادا منافسين في كل بلد
نزلا فيه، أو بلاط ملكي استدعاهما صاحبه إليه.
فما أشبه حالة ابن خلدون في بلاط غرناطة وفاس وتونس والقاهرة منذ خمسة قرون بحالة
جمال الدين في بلاط كابل وطهران والقاهرة والآستانة في عصرنا الحاضر.
وإن كان السيد الأفغاني قد ابتلاه الله من الشيوخ الجامدين بالشيخ عليش، الذي كان
يحمل عكازته ويروغ بها على السيد وتلاميذه وهم يدرسون الفلسفة في زوايا الأزهر؛ فإن ابن
خلدون ابتلاه الله وهو في تونس بشيخ جامد أيضا، وهو «ابن عرفة» الذي كان يحسد ابن
خلدون على إعجاب الناس به وإقبال الطلاب على حلقة درسه، حتى قال ابن خلدون نفسه:
إن ابن عرفة هذا كان يسعى به لدى حكام تونس ويغريهم بتغريبه والبطش به.
عرض «بترو» ملك الإسبانيول على ابن خلدون أن يريح نفسه من العناء، ويقيم عنده،
وهو في مقابل ذلك يغدق عليه من زهرة الحياة الدنيا ما تقر به عينه وينعم عيشه
فأبى، وكذلك السلطان عبد الحميد عرض على جمال الدين أن يريح نفسه من عناء السياسة
ومقاومة خصومه، وهو في مقابل ذلك يفرد له قصرا مجهزا بأثاثه ورياشه وخدمه،
ويزوجه إحدى وصيفات يلدز، فأبى عليه ذلك، وقال: إنه لو فعل لاستغرب منه، كما
يستغرب من الشيخ عليش المغربي إذا جلس مع تلاميذه في أحد مشارب الأزبكية.
مات ابن خلدون غريبا في مصر، ودفن في مقابر الصوفية خارج باب النصر، وقبره غير
معروف، شأن من يموت غريبا عن موطنه، وهكذا جمال الدين الأفغاني، فإنه مات في الآستانة
غريبا، ودفن في تربة «شيخلر مزارلغي» في نشانطاش، وكاد قبره يندرس لو لم يتداركه
المستر «كراين» الأمريكي، فبنى له ضريحا فخما بلغت نفقاته عشرة آلاف دولار كما قيل.
20
كان ابن خلدون آخر نجم سطع في سماء التفكير الإسلامي الحر، كما قال عنه كاتب ترجمته
العلامة الألماني الأستاذ «فون فيزدندونك»:
عاش ابن خلدون في أشد أزمان العالم الإسلامي إظلاما من الوجهة الاستقلالية
والسياسية، فكان كنجم أنار تلك الظلمات ثم أفل.
كان حنيفا مسلما شديد الغيرة على دينه وملك قومه، وقد رأى هذا الملك
مفكك العرى مضمحل القوى، استولت عليه الأعاجم من أواسط آسيا إلى شمال
أفريقيا إلى غرب أوروبا، دويلات مغولية وتركية وبربرية، قامت في كل مكان
على أنقاض الدول العربية الصريحة، ساح بنفسه في تلك الممالك، من أشبيلية في
الغرب إلى الحجاز والشام في الشرق، رأى بعيني رأسه «تيمور» المغولي في الشرق
يجتاح بلاد الشام، كما رأى بعيني رأسه «بترو» الإسباني في الغرب يجرمز ويجمع
نفسه للوثوب على غرناطة آخر مملكة عربية في الأندلس. كان ابن خلدون يرى ذلك
فتتقطع نفسه حسرات على ذلك الملك الضائع والبناء المتقوض.
كان يسيح في العالم الإسلامي فاحصا منقبا، فيدرس ويكتب ويؤلف، ويهز
النفوس الجامدة، ويتلتل الهمم الخامدة، كان كلما صرخ لم يجب إلا برجع الصدى،