وكلما حذر وأنذر لم يقابل إلا بالإعراض والجفا.
انطفأت تلك الشعلة وأغمض «ابن خلدون» عينيه في ذلك الظلام الدامس، وبعد خمسة قرون
من موته عاد فعاش ونشر من قبره ممثلا في جسم جمال الدين الأفغاني.
فتح جمال الدين عينيه، ورأرأ بتوأمتيه، وأدارهما يمنة ويسرة في جنبات العالم
الإسلامي.
فماذا رأى؟
رأى ما كان رآه «ابن خلدون» منذ خمسة قرون، رأى الظلام ظلاما والقوم نياما، رأى
تيمورلنك المغولي ممثلا في السلطان عبد الحميد التركي ، وبترو الإسباني متقمصا
فيكتوريا ملكة الإنكليز.
قام جمال الدين من قبر «ابن خلدون»، فكان همه همه، وغرضه في هذا النشور
غرضه.
هلموا حقيبة السفر وعصا السياحة. ساح جمال الدين في العالم الشرقي والغربي، إلى مكة
ومصر وطهران والآستانة، إلى بطرسبرج وفينا ولندن وباريس، رأى موتا في جانب، وحياة
في آخر، رأى اتكالا وقناعة في قوم، وكدحا وطمعا في آخرين، رأى جهلا وبطالة
وكسلا هنا، وعلما وعملا ونشاطا هناك. هذا «الشيخ عليش» في مصر و«حسن فهمي أفندي» في
الآستانة يقاومان جمال الدين كما قاومه «ابن عرفة» في تونس و«القاضي البساطي» في
القاهرة منذ خمسة قرون، وهو في شكل ابن خلدون، والتاريخ يعيد نفسه كما يقولون. أيها
المنشور من تحت رجام القبور، عد إلى الخطابة والكتابة، وارفع صوتك بالحرص والإنذار،
ومر المسلمين بترك الخلافات، ونبذ الأوهام والخرافات. هات أسمعنا التوجع
والأنين وآهات «أرميا الحزين»: «بكائي
21
على السالفين، ونحيبي على السابقين، أين أنتم يا عصبة الرحمة، وأولياء
الشفقة، أين أنتم يا أعلام المروءة، وشوامخ القوة، أين أنتم يا آل النجدة وغوث المضيم
يوم الشدة، أين أنتم يا خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، أين
أنتم يا أيها الأمجاد الأنجاد، القوامون بالقسط، الآخذون بالعدل، الناطقون بالحكمة،
المؤسسون لبناء الأمة، ألا تنظرون من خلال قبوركم، إلى ما فعله خلفكم من
بعدكم وما أصاب أبناءكم، ومن ينتحل نحلتكم، انحرفوا عن سنتكم، وحادوا عن طريقتكم،
فضلوا عن سبيلكم، وتفرقوا فرقا وأشياعا؛ حتى أصبحوا من الضعف على حال تذوب
لها القلوب أسفا، وتحترق الأكباد حزنا، أضحوا فريسة للأمم الأجنبية، لا يستطيعون
ذودا عن حياضهم ولا دفاعا عن حوزتهم، ألا يصبح من برازخكم صائح منكم ينبه الغافل
ويوقظ النائم، ويهدي الضال إلى سواء السبيل.»
ولكن هل يئس «جمال الدين» من يقظة الشرق وسعي الشرقيين في الإصلاح؟
كلا، لم ييأس، نعم رأى شجرة العالم الإسلامي أصبحت أعوادا يابسة، غير أنه تراءى له
من خلال تلك الأعواد والأشواك وريقات خضر؛ فتهلل وجهه بعد العبوس، وانتعشت نفسه
بعد القنوط، وساءل نفسه قائلا:
أهذه الأوراق الخضر المتفرقة هنا وهناك من الشجرة، أهي أوراق قديمة باقية من الحياة
الأولى يا ترى؟ أم هي أوراق جديدة حييت بحياة جديدة؟
ومهما يكن فإن في الشجرة اخضرارا، وفي المريض رمقا، وفي الجسم دماء.
فلنجتهد إذن ولنعمل على إحياء مجموع الشجرة، عمل «جمال الدين»، واجتهد حتى كل
وتعب، ولقي من حلو الحياة ومرها ما لقيه «ابن خلدون» الأول. كلا الخلدونين لم
يخلف ولدا، وفرق بينهما: ابن خلدون المغربي خلف مقدمته الاجتماعية المشهورة،
أما ابن خلدون الأفغاني فإنه لم يخلف كتبا ولا مقدمة، وإنما خلف الأمة التي
أيقظها فاستيقظت، ونصح لها فانتصحت، وأخذت تخوض عباب الحياة بجد وثبات، فهي لا تلبث
أن تصل إلى ساحة النجاة إن شاء الله.
روى الشيخ عبد الرشيد إبراهيم (الرحالة الروسي المشهور)، قال: دخلت على الشيخ
جمال الدين في أخريات أيام مرضه، فأشار إلي بيده أن ادن، فدنوت منه، وكان لا
يستطيع الكلام، فأخذ قلما وورقة وكتب فيها: «تشهد يا ألله أن كلام النبي
صلى الله عليه وسلم
قبيل وفاته: أمتي أمتي، وأنا أقول: ملتي ملتي»، قال: وبعد نحو ساعتين رجعت