المباركة، هذا إذا بقيتم في الآستانة، وإن حضرتم إلى طرابلس قريبا، فإننا نتذاكر في
الإيجاب، وأقل ما يناجيني به ضميري من الفائدة في الكتابة إلى «السيد جمال الدين» قول
الشاعر:
عسى يذكر المشتاق في طي رقعة
فحسب الأماني أن تريني رقاعه
أظنكم لم تسألوا حضرة «السيد» عما وعد به في رسالة إبطال مذهب الدهريين، من
تأليف رسالتين وافيتين؛ إحداهما في الرد عليهم (أي على الدهريين)، والأخرى في مدنية
الإسلام.
انتهى ما بعث به الشيخ رشيد إلينا، وقد عتب فيه علينا مذ أبدلنا كلمة التردد
بالملازمة، ولعلنا تصرفنا في الكلمتين تصرفا مقصودا اقتضاه الحال في ذلك
الوقت.
ولما جاءني هذا الكتاب الثاني من الشيخ رشيد زرت السيد جمال الدين وأطلعته
على الكتاب أو ذكرت له خلاصته، لا أردي أي ذلك كان، فعاد السيد إلى الثناء على
الشيخ رشيد وشدة اهتمامه بأمر الإسلام والمسلمين، وقال لي إن الشيخ رشيدا أرسل إليه
أيضا كتابا خاصا، فرجوت من السيد إذ ذاك أن يكتب إليه جوابا بخطه ويسلمني إياه
لأرسله إليه، فاعتذر بعدم وجود ورق وأقلام لديه. أقول: وعدم وجود الورق إما لأن
السلطان عبد الحميد لا يريد ذلك كما قيل لي، وإما لأن السيد لا يعنى بالكتابة ولا
يألفها، وكل ما اعتاده أن ينثر كلامه على من حوله نثرا، فيلتقطوه مرجانا ودرا،
لكنني خوفا من عتب الشيخ رشيد ألححت على السيد الأفغاني بأن يكتب إليه جوابا
مختصرا بقلمه البليغ، وكنا إذ ذاك وقوفا، وكأني الساعة أتمثل السيد منتصبا في
بهو المسافرخانه ويداه على كتفي، وهو يبتسم ويعتذر عن الكتابة إلى الشيخ رشيد ويقول لي:
أنت القلم الأعلى والكاتب البليغ، ولك أنت أن تنوب عني بإبلاغ سلامي وتحياتي
إليه.
لا جرم أني لا أستحق أن يقول في السيد الأفغاني ما قال، غير أن الرجل هكذا خلقه
الله متوددا مؤانسا، ولم يخلقه «جعظريا
18
جواظا» ولا «مدلسا موالسا».
19
ثم انصرفت من مجلس السيد، وكتبت إلى الشيخ رشيد رحمه الله بما قلته له وبما
قاله لي، وباعتذاره عن الكتابة إليه، واثقا بأني أنوب عنه في الجواب حينما نلتقي في
طرابلس، وهكذا وقع.
8
هذا، ولنختم الكلام عن شيخنا الأفغاني ببحث من أوصافه، أرجو أن يستطرفه القراء، وأن
يجدوا فيه متعة وفائدة؛ ذلك أنني كنت أعملت المقارنة بين المؤرخ ابن خلدون
وبين السيد جمال الدين، بمناسبة ما كتبه الكثيرون من الكتاب المعاصرين حول
المقارنة أو المشابهة بين ابن خلدون وغيره من فحول الكتاب والفلاسفة الأقدمين؛ مثل
أرسطو وأبي العلاء المعري ومونتسكيو وأوغست كونت وميكيافلي وسبنسر، وتفصيل هذه
المقارنة وبيان وجه الشبه فيها بين ابن خلدون وبين هؤلاء العظماء مبسوط في المدونات
المعاصرة التي خصها كتابنا بترجمة المؤرخ العربي الكبير، ولكن ألا يخطر بالبال أن
يكون ابن خلدون مشابها لواحد من فلاسفتنا الشرقيين المعاصرين؟
نعم، إن ابن خلدون يشبه - ولا ريب - فيلسوفا مسلما سياسيا ثائرا عصريا، ألا
وهو أبو الثورات، السيد جمال الدين الأفغاني؛ لا من وجه واحد، بل من عدة وجوه:
درس كل منهما العلوم الإسلامية، ثم تفوق على شيوخ زمانه بمهارته في الحكمة
والفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع، وترغيب المسلمين في دراستها والاستفادة من
حقائقها.
كان كل من الرجلين يشتغل بالسياسة ويحرص على الرئاسة.
كان كل منهما سليم الصدر، سهل الاستمالة، طاهر القلب، ظاهره وباطنه سواء، كما
كان كل منهما متسرعا حديد المزاج؛ فابن خلدون وصفه صديقه وزير الأندلس «لسان
الدين بن الخطيب» بأنه بعيد عن التأني، وقال: إن هذا الخلق هو السبب في نكباته،
وتحامل رجال الدولة عليه.
وبمثل ذلك وصف الشيخ محمد عبده جمال الدين، فقد كانا معا في باريس ينشئان جريدة
«العروة الوثقى»، ويسعيان في تحقيق التعاون والتفاهم مع أقطاب السياسة الأوروبية من