السنة (أي سنة 1310ه)، قال فيه بعد أن أسهب في وصف رحلة قام بها من بلده «القلمون» -
على مقربة من طرابلس الشام - إلى بيروت، وهي أولى سفراته إليها، ولم يكن قبل شاهد
ذلك السيف الجميل - سيف البحر الممتد بين طرابلس وبيروت - وما انتثر عليه من قرى
ومزارع وخمائل ومناظر خلابة.
وصف الشيخ رشيد ذلك كله في كتابه إلي بأبلغ قول وأمتع أسلوب، وقال في خلال
الوصف ما نصه: «إذا أسعدكم البخت أو أكسبكم السعي التشرف بلقاء حكيم الوقت السيد جمال
الدين، فإنه ربما يسألكم عن سورية ولبنان لا عن أوروبا أو بلاد الروم، وإذا سأل فهو
يسأل عن الفتيل والنقير والقطمير.» كأن الصديق - رحمه الله - يريد أن يدل علي في
وصف هذا المسير إلى جبل لبنان، وأن ما قاله سيكون لي مادة أتحف بها السيد جمال
الدين حين اجتماعي به، أو أن أقرأ عليه كتابه بجملته. وما كان أشد إعجاب الشيخ رشيد
بكتابه هذا، ومعه الحق في ذلك، فإن الكتاب طرفة أدبية تاريخية تهم لبنان وساكنيه أكثر
من غيرهم، ولعلنا ننشره برمته في بعض المجلات.
ثم قال الشيخ رشيد في آخر كتابه: «اعتذرتم عن تأخير المكاتيب بانتظار الاجتماع بهذا
الرجل العظيم، (يريد السيد الأفغاني) لتخبرونا عما تشاهدونه منه، وما تقفون عليه من
شأنه، لما تعلمون له عندنا من المكانة التي لم يحلها من الناس أحد سواء، فنعم
الاعتذار وحبذا الشفيع، ونرجو الآن أن تكونوا اجتمعتم به، وصرتم من المحسوبين عليه،
وأنكم توافونا قريبا بما يشرح الصدر من أخباره ، ويقر العين من آثاره، ولا نشك بأنكم
إذا صار لكم مع سيادته لسان ينطق تخبرونه عن أخيكم بأنه مستغرق في حبه، راج للسعادة
بقربه، له لسان لا ينفك يهتف بالثناء عليه، ويتمنى أن يتمثل للخدمة بين يديه، حيث
تعرفون ذلك منا حق المعرفة، ولا أراك تذهل عن إفادتي، هل يمكن لأمثالنا ملازمته إن
جئنا الآستانة أم لا؟» ا.ه.
وكنت قبل وصول هذا الكتاب من الشيخ رشيد اجتمعت بالسيد الأفغاني، وعرفته من خبري
وخبر الصديق ومبلغ تعلقنا به، وبالعمل على بث مباديه وتعاليمه ما جعله يدعو لنا،
ويعطف علينا، ويأمل الخير فينا، وكتبت إلى الأخ الرشيد بذلك، فلم ألبث أن جاوبني على
كتابي بكتاب آخر مؤرخ في 21 رمضان من السنة المذكورة، وقد قال فيه ما نصه:
لقد
ألقي إلي كتابكم الكريم، وأول ما أجيب عليه هو أداء واجب الشكر والثناء على ما
أتحفتموني به من الرغيبة العظمى، ألا وهي البشارة بنوالكم شرف الاجتماع بحكيم
العصر ونادرة الدهر، أستاذنا السيد جمال الدين - حفظه الله تعالى وزاده رفعة وإجلالا
- وفوزكم من لطفه ومكارمه بالالتفات والرعاية الخصوصية، وإفصاحكم بأن هذا كان نتيجة
درسنا سيرته الحسنة بالإمعان والإنعام، مع ما انضم إلى ذلك من قيامكم بحقوق الإخاء
بإجابة ما رغبت به إليكم من إجراء ذكرى لديه، وشرح بعض شأني عليه، وعرض أكبر
مقاصدي على مسامعه الشريفة، ألا وهو الحصول على صحبته بصفة تلميذ ملازم، أو مريد
خادم، وبعبارة أخرى أنني أكون «أبا تراب
17
الثاني» أدور معه حيث يدور، لكنكم أديتم هذا على غير وجهه، إذ إنكم
أبدلتم لفظ «الملازمة له» بلفظ «التردد عليه»، ولا ريب أنكم فهمتم ذلك من عبارتي
السابقة، إما لقصورها عن بيان ما شرحته الآن، وإما لذهول منكم كما هو شأن الإنسان. وعلى كل حال نقول: جعل الله سعيكم مشكورا، وعملكم مبرورا، وحظكم من الكمال موفورا،
ونرجو أن تؤدوا الأمانة في الكرة الثانية على وجهها.
وتلطف واجر ذكري عندهم
علهم أن ينظروا عطفا إلي
وفي نفسي أن أكاتب حضرة السيد، وأطلب منه ما كلفتكم بعرضه عليه أيضا (أي ملازمته)،
فإن أجاب بالقبول فإنني أجتهد كل الاجتهاد في الحضور لطرفكم، وإن أبى «السيد» علي،
فإنني أجتهد بعض الاجتهاد في المجيء لنتشرف بزيارته، والتيمن بمشاهدة غرته