تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخديوية، وكان على مقربة منهم سرب من النساء، فجعلن ينظرن إلى السيد مستغربات

هيأته وقيافته، وزاد في انتباههن إليه ما رأينه من حفاوة رفاقه به، والتفافهم حوله،

ومسارعتهم إلى خدمته، وهو يضاحك هذا ويطارح ذاك، وأخذت النسوة يلتفتن إليه

من وقت إلى آخر ويتنغنغن

16

ضاحكات أحيانا ويتبادلن كلاما حسبه رفاق السيد استخفافا بالسيد،

فقال له بعضهم: يا أستاذ أخفض من صوتك وأقلل من مزاحك، فإني أحسب هؤلاء النسوة

ينبطن عليك، فمضى السيد في حديثه وقال: دعهن فإني لا أبالي بتنبيطهن، فكان جوابه

مثارا للضحك وتطارح النكتة في الجانبين. وقوله «ينبطن» عليك معناه في اللهجة المصرية،

يتندرن عليك، أي: يجعلنك موضوعا للنادرة والنكتة.

ولعل التنبيط مأخوذ من اسم «النبط» وهو جيل معروف، ومعظمهم يشتغلون بالفلاحة، فيكون

في طباعهم خشونة وجفاء، فمعنى نبط عليه: كلمه كلاما خارجا عن اللياقة يشبه

كلام الأنباط.

وقد عرف من رأي السيد الأفغاني أنه يجوز استعمال الدخيل واللفظ الأعجمي في

الكلام العربي، حتى روي عنه أنه قال: إذا أردتم استعمال كلمة غير عربية، فما عليكم إلا

أن تلبسوها كوفية وعقالا فتصبح عربية. وقد كنى بالكوفية والعقال عن التعريب،

فكما أن الرجل الأعجمي إذا ألبسته لبوس العرب يصبح عربيا في ظاهره، كذلك الكلمة

الأعجمية، إذا عربتها؛ أي ألبستها صيغ الكلمات العربية تصبح عربية جائزة

الاستعمال، وهذا من السيد توسع بعيد في استعمال الكلمات الأعجمية، يقبله بعضهم

ويرده آخرون. وروى صديقنا الأمير شكيب أرسلان - رحمه الله - أن السيد جمال الدين قال

في قول الله عز وجل:

وأنه تعالى جد ربنا

أن

«جد» معرب «كد»، ومعناه العرش بالفارسية أو الهندية.

ومن أشهر آراء السيد جمال الدين التي تتعلق بأبحاث اللغة ما رواه الأستاذ اللغوي

المرحوم الشيخ عبد الله البستاني من أن السيد قال في هجو بعض البلداء: هذا رجل من نسل

البقروت، قال: فعابوا عليه استعمال كلمة «البقروت»، فأجابهم: ألا تقولون جبروت ورهبوت

وملكوت؟ فلماذا تمنعون عني قول «بقروت»؟ فاعترضوا عليه بأن البقروت لم ترد في كلام

العرب، فقال: وهل تريدون مني أن أنكر نفسي. ا.ه.

وقد علق الأستاذ البستاني على ما قال الأفغاني مستحسنا، وعلق الأب أنستاس

الكرملي على قوليهما مفندا مستهجنا، وعلقت أنا على أقوال الثلاثة في مقال

نشر في مجلة مجمعنا العلمي العربي (جزء 8 صفحة 626) موافقا في شيء ومخالفا في

شيء. ومما لاحظته على شيخنا الأفغاني أنه جعل بقروت مصدرا، بدليل حمله لها

على «جبروت» و«رهبوت» و«ملكوت» وهي مصادر، ولا يصح أن تكون «بقروت» مصدرا في العبارة

التي قالها، إذ لا يقال: فلان من نسل البقرية، وإنما يقال فلان من نسل البقر،

والبقروت ليست بمعنى البقر، حتى قرأت أخيرا للمرحوم المخزومي باشا أن عبارة جمال

الدين هي «سياسة بقروتية في مملكة فرعونية»، ولما اعترضوا عليه أجاب: كيف يصح قولهم

ملكوت وجبروت، هكذا يصح عندي بقروت، والسلام. ا.ه.

إذن لا غبار على ما قاله السيد في عبارته المذكورة، فإنه إنما استعمل «البقروت» فيها

مصدرا لا جمعا، كأنه قال سياسة بقرية، وكأن من روى الخبر للأستاذ البستاني إنما رواه

من حفظه، لا نقلا عن المخزومي باشا في كتابه «خاطرات جمال الدين».

7

مر في صدر الكتاب أني كنت أنا والأستاذ رشيد رضا شريكين في التعلق بالسيد

الأفغاني وتتبع أخباره وتدوين آثاره، ولما ودعت الشيخ رشيد ميمما شطر

الآستانة سنة 1310ه/1892م، كان أول ما أوصاني به أن أقصد إلى السيد الأفغاني

وأبلغه تحيته وإخلاصه في حبه، وأن أكتب إليه بكل ما أرى وأسمع من أحواله وأطواره. واتفق أن تأخر لقياي السيد بعد وصولي إلى الآستانة لأسباب عرضت يومئذ، وكتبت

بذلك إلى الصديق «الشيخ رشيد»، فجاءني أول كتاب منه مؤرخ في 9 جمادى الثانية من تلك

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديث · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

جمال الدين الأفغاني : ذكريات وأحاديثص ٣١